عملهم ... قال الراغب الأصفهاني في مقدمة غريبه، يوضح خطته ويصور منهجه:"وذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة فتحصيل معاني مفردات الفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه ... وقد استخرت الله تعالى في املاء كتاب مستوفى فيه مفردات ألفاظ القرآن على حروف التهجي، فنقدم ما أوله الألف ثم الباء" ( [59] ) ويشبهه ما نقل عن أبي عبيد في مقدمة كتابه:"قال أبو عبيد في فضائله حدثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن ... عن ابن عباس أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد يعني كان يستشهد على التفسير" ( [60] ) ففي كلام ابن عباس وأبي عبيد دليل على أن المقصد شرح مفردات القرآن. ولهذا علق أحد الدارسين على عمل أصحاب الغريب بقوله:"غير أننا نعرف أن ابن عباس كان يُسأل عن معاني مفردات القرآن، وأنه كان يفسرها تفسيرًا لغويًا، مستشهدًا على ما يقوله بالشعر العربي القديم" ( [61] )
5 -إن عمل أصحاب الغريب عمل معجمي، غايته شرح معاني المفردات وتوضيحها بعامة، لا حصر الغريب، يصدق ذلك قول ابن قتيبة في مقدمة غريبه:"قد كنت زمانًا أرى أن كتاب أبي عبيد قد جمع تفسير غريب الحديث، وأن الناظر فيه مستغنن به، ثم تعقبت ذلك بالنظر والتفتيش والمذاكرة فوجدت ما تركته نحوًا مما ذكر أو أكثر منه، فتتبعت ما أغفل وفسرته على نحو ما فسر ... ، وأشبعت ذلك بذكر الاشتقاق والمصادر والشواهد من الشعر، وكرهت أن يكون الكتاب مقصورًا على الغريب، فأودعته من قصار أخبار العرب وأمثالها، وأحاديث السلف وألفاظهم ما يشاكل الحديث أو يوافق لفظه لفظه، لتكثر فائدة الكتاب، ويمتع قارئه، ويكون ذلك عونًا على معرفته وتحفظه ( [62] ) وهذا النهج الذي ذكره ابن قتيبة هو نهج أصحاب المعاجم الذين يفسرون المادة ويذكرون اشتقاقها ومصادرها ... يوضح ذلك قول ابن منظور في مادة"عرب":"العُرْب والعَرَب جيل من الناس معروف، خلاف العجم .. وتصغيره بغير هاء نادر. العُريب تصغير العرب ... والعربُ العاربة: هم الخلص منهم، وأخذ من لفظه فأكد به ... والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويًا ... والتعريب بعد الهجرة: هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب، بعد أن كان مهاجرًا ... والعربية: هي هذه اللغة. واختلف الناس في العرب لِمَ سموها عربًا فقال بعضهم: أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان" ( [63] ) "
إنها أدلة سقناها لتكون البيان والحجة والبرهان على صحة ما نذهب إليه. ولهذا نقول مجددًا إن الاسم الأدق لمؤلفات الغريب هو"شرح مفردات ..."
وتبقى إشكالية أخرى عالقة، وهي لماذا سمى أصحاب المصنفات كتبهم"بالغريب"مع أن مادة"غريب"لا تختزن في مضامينها معنى الشرح والتفسير والتوضيح؟ ما سرُّ هذه التسمية؟ وهل أطلقت مجازًا لتحمل معنى التفسير؟
الحقيقة أن"الغريب"لم يطلق مجازًا على معنى الشرح والتوضيح، لفقدان الشرعية في اللغة التي تسمح له بهذا الجنوح المعنوي؛ لأن المجاز"أن يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه بسبب ( [64] ) كما في قول معاوية بن مالك: (من الوافر) "
إذا سقط السماءُ بأرضِ قومٍ رعيناهُ وإن كانوا غضابا ( [65] )
أراد للسماء المطر، لقربه من السماء.
والغريب أيضًا ليس مما يقارب الشرح والتوضيح ولا سببًا منه، ولم يجر استعمال"الغريب"