فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 10

لا حلى عليها ( [47] )

بعد استقراء النماذج المتقدمة ومدارستها، يمكن القول أن المؤلفين في الغريب قصدوا في مادة"غريب"شرح المواد اللغوية في الموضوع المخصص، ولم تكن وجهتهم استخراج غريب اللغة المراعى في الاصطلاح اللغوي عند أهل الصرف والبلاغة. وهذا النهج في التسمية يدعو إلى التساؤل وإعادة النظر في أسماء كتب"غريب اللغة"، إذ كان القصد منها تفسير ألفاظها من دون تمييز بين لفظ وآخر.

اسم"الغريب"بين النقد والتوجيه:

استنادًا إلى ماسبق من أمثلة وشواهد، يلاحظ أن اسم"غريب"قد أطلق جزافًا على الألفاظ اللغوية في حقل من حقول المعرفة الموضوعة للشرح، كالقرآن الكريم، والحديث الشريف ... ولم يقع التمييز فيها بين عربي فصيح وغريب وحشي نادر، أو غريب مستغلق نافر، على الرغم من أن معنى الغريب الظاهر للدارس من خلال اسم الكتاب هو غير ما عالجوا ونخلص بعد ذلك إلى القول: إن الاسم الأدق والأصوب هو:"شرح أو تفسير ألفاظ القرآن"،"وشرح ألفاظ الحديث"وسواهما ففي هذا الاسم انسجام بين الاسم المسمى، وطرد عن مضمون الكتاب كل احتمال معمّى يشد أزر ما نقوله، جملة من الأدلة.

1 -إن محتويات مؤلفات"الغريب"ليست من الغامض النافر، بل مما عرفه العربي واستعمله ووعاه، يقوي ذلك المقولة التي كان يرددها ابن عباس في تفسير مواده، وهي"هل تعرف العرب ذلك". من شواهده تفسير"الوسيلة"في قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) ( [48] ) قال ابن عباس ردًا على نافع"الحاجة" ( [49] ) ، ثم سأله:"أتعرف العرب ذلك؟"، أجابه: نعم، أما سمعت عنترة العبسي، وهو يقول: (من الكامل)

إنّ الرجالَ لهم إليك وسيلةٌ إنْ يأخذوكِ تُكحِّلي وتُخضِّبي ( [50] )

2 -إن بعض ما جاء في كتب الغريب لهو من الألفاظ العامة التي يشترك في معرفتها جمهور أهل اللسان العربي، وهو مما يدور في الخطاب تناقلوه فيما بينهم وتداولوه، وتلقفوه منذ الصغر لضرورة التفاهم. من أدلة ذلك ما أثبته الراغب الأصفهاني في غريبه، من نحو"غنم"قال في تفسيره:"الغَنم معروف، قال تعالى: (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) ( [51] ) ، والغنم إصابته والظفر به ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العدى وغيرهم ( [52] ) ويشبهه أيضًا ما جاء في"غريب القرآن"لأبي حيان الأندلسي، قال:"شجر"في الآية: (ومن الشجر ومما يَعْرِشون) ( [53] ) وما قام على ساق ( [54] ) ، وغيرها من الألفاظ اللغوية المعروفة المتداولة كـ"زوج"و"صيد" ( [55] ) ، فهل هذا غريب مستغلق؟؟"

3 -إن إطلاق مصطلح"غريب"على ما جاء في القرآن يتناقض مع البيان الإلهي لأن ما جاء في القرآن فصيح بعيد عن الغرابة والشواذ، مصداقًا لقوله عز وجل: (بلسان عربي مبين) ( [56] ) وقوله: (إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون) ( [57] ) وكذلك ما جاء على لسان الرسول (ص) أنا أَعْرَبُكم، أنا من قريش ولساني لسان بني سعد ( [58] ) فهل لغة القرآن غريبة مبهمة، أم ما أودع في كتب الغريب قصد به شرح المفردات وتفسيرها؟!

4 -إن أصحاب مصنفات"الغريب"قصدوا تفسير الألفاظ حقيقة لا البحث عن الغريب في عرف البلاغيين كما توحي التسمية، يقوي ذلك اعتراف أصحاب المصنفات أنفسهم في حقيقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت