وذهب أصحاب الحديث في غريبهم مذهب أصحاب"غريب القرآن"، فراحوا يفسرون مواد الحديث اللغوية التي اسموها"غريبًا". من شواهد ذلك تفسير مادة"سبخ"في غريب الهروي، جاء فيه:"... في حديثه عليه السلام حين قال لعائشة وسمعها تدعو على سارق سرق لها شيئًا، فقال: لا تُسبّخي عنه بدعائك" ( [39] ) . قال الأصمعي، قوله: لا تسبخي، يقول: لا تخففي عنه بدعائك عليه. وهذا مثل الحديث الآخر من دعا مَنْ ظلمه فقد انتصر؟ وكذلك كل من خُفِّفَ عنه شيء فقد سُبِّخَ عنه. قال: يقال: اللهم سبّخ عني الحُمّى، أي سلّها وخففها. قال أبو عبيد: ولهذا قيل لقطع القطن إذا نُدِفَ: سبائخ، ومنه قول الأخطل يصف القفاص والكلاب: (من البسيط) .
فأرْسلوهنّ يذرينَ التُّرابَ كما يذري سبائخَ قُطنٍِ ندْفُ أوتار ( [40] )
يعني ما يتساقط من القطن ... ( [41] )
ومثل هذا صنيع ابن الأثير في كتابه"النهاية"وقال في باب"الباء مع الواو""بوأ""أبوءُ بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي""أي التزم وأرجع وأُقِرُّ، وأَصْل البواء اللزوم ومنه الحديث:"فقد باء به أحدهما"أي التزمه ورجع به. ومنه حديث وائل بن حجر:"إن غَفوتَ عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه"أي كان عليه عقوبة ذنبه وعقوبة قتل صاحبه، فأضاف الإثم إلى صاحبه، لأن قتله سبب لإثمه. وفي رواية"إن قتله كان مثله"أي في حكم البواء وصارا متساويين لا فضل للمقتص إذا استوفى حقه على المقتص منه ( [42] ) "
ويستمر ابن الأثير في هذا الحال، يعرض الأحاديث المختلفة التي استعملت فيها مادة"بوأ"شارحًا مفسرًا معانيها المختلفة، ذاكرًا لغاتها بحسب ما وردت في حديثه (ص) ، كما في الحديث"عليكم بالباءة"يعني النكاح والتزوّج. يقال فيه الباءة والباء، وقد يقصر، وهو من المباءة: المنزل، لأن من تزوج امرأة بوّأها منزلًا. وقيل لأن الرجل يتبوأ من أهله يستمكن كما يتبوأ من منزله ( [43] )
ولم يذهب أصحاب"غريب اللغة"مغاضبين رافضين منهج أصحاب غريب القرآن وغريب الحديث، بل احتطبوا بحبلهم وساروا على هديهم، ففسروا ألفاظ العربية من دون قصد تمييز بين عربي فصيح أو نادر غريب، يشفع ذلك ما جاء فيه"المسلسل في غريب لغة العرب"قال في شرح مادة"الحال"في قول امرئ القيس: (من الطويل)
سموتُ إليها بعد ما نامَ أهلُها سموَّ حبابِ الماءِ حالًا على حالِ ( [44] )
الحال: الطريقة، والطريقة: الدُّبّة، والدُّبّة: القارة، والقارة: الأكمة، والأكمة: العنزُ، والعنزُ: العُقاب، والعقاب: الراية، والراية: الحقيقة، والحقيقة: ما تحقُ عليه الحفيظة، والحفيظة: الحميَّة، والحميّة: الأنفةُ، والأنفةُ: العبدُ، والعبدُ: الجربُ، والجربُ: الدّرْسُ، والدرس: الثوب الخلق، والخَلِقُ: النهْج، والنهْج: الطريق القاصد، والقاصد: الكاسرُ، والكاسرُ: البازي ( [45] ) وهكذا يبدأ بتفسير المادة ثم ينتقل من مرادف إلى آخر ... مشكلًا سلسلة من الألفاظ اللغوية، كل واحد يشترك في المعنى مع سابقه.
واستعمل شُراح الدواوين مصطلح"غريب"في شروحهم، قصدو به ما قصد أصحاب غريب القرآن وغيره، من تفسير الألفاظ وشرحها. من أمثلة ذلك ما جاء في شرح قول المتنبي: (من المنسرح)
كتيبةٌ لستَ ربَّها نَفَلٌ وبلدةٌ لستَ حَلْيَها عُطلُ ( [46] )
قال العكبري في شرحه:"الغريب، الكتيبة: الجماعة من الخيل والنفل: الغنيمة، والعطل: التي"