لهذا نجد اليهود في كل مكان يتعلقون بالدنيا ويُحبونها ويتمسكون بكل أسباب دوامها، يهتمون بزخارفها، ومباهجها، ويعبدون المال ويحرصون على جمعه بشتى الوسائل، لهذا لما جاءهم المسيح عليه السلام خاطبهم بقوله:"لا تقدرون أن تخدموا الله والمال". (إنجيل متى: 6/ 24) .
لكل هذا لو نظرنا إلى اليهود لوجدناهم أينما كانوا، وكيفما كانوا، هم في غاية المذلة والمهانة، وحياتهم حياة منحطة، وهم مكروهون من كل من يحيط بهم، ولا يغرنكم تقلبهم في فلسطين، فمن يغوص في أعماق حياتهم، يرى من الأمور العجيبة ما لا يرى غيره.
لكل هذا وغيره نجد أن تعامل اليهود مع غيرهم دون تمييز، وهم يُطلقون على غيرهم من الجنس البشري"الجوييم"أي غير اليهود، تعاملهم ظل على نسق واحد منذ وجودهم الأول، وحتى الآن، تعامل سيء وتعصب وتكبر وعُنصرية واضحة، وأي انتصار يُحققه اليهود، ومهما كانت أسبابه ونتائجه يعتبرونه نعمة من ربهم (يهوه) ، وأي هزيمة أو انكسار لهم يعتبرونه جزاءً لهم على تقصيرهم، فالنعيم حسب عقائدهم نعيم الدنيا والجحيم هو جحيم الدنيا، وليس للآخرة أي اعتبار لأن موت الإنسان يعني فناؤه نهائيًا وتلاشيه في باطن الأرض.
لهذا لا عجب حينما نرى نحن الفلسطينيون من اليهود ما نرى، ويقع علينا من ظُلمهم ما يقع.
يقول ول ديورانت: (ولم تبن فكرة البعث في خلد اليهود إلا بعد أن فقدوا الرجاء في أن يكون لهم سلطان في هذه الأرض، ولعلهم أخذوا الفكرة عن الفرس أو لعلهم أخذوا شيئًا منها عن المصريين) [1] .
خلاصة ما سبق يدل على أن خلو كتب اليهود ومصادر عقائدهم من ذكر اليوم الآخر هو من باب التحريف الذي لحق التوراة، وللنزعة المادية التي وصم بها اليهود وتعلقهم بالدنيا وخوفهم من ذكر الموت.
(1) ول ديورانت: قصة الحضارة، 2/ 345.