وهكذا ينبغي أن يكون النظر لأهل الفضل والخير، وهذا من فقه المقاصد والنيات الذي يجهله كثير من الناس عندما يحكمون على الآخرين بالنظر إلى الخطأ مجردًا عن حال الشخص ونيته ومقصده، فربما تكون زلة لسان ولا يقصد المعنى الخبيث، كما بين ذلك ابن القيم رحمه الله حيث يقول:"والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عنه" [1] .
ولهذا لم يحكم بالكفر على الذي أخطأ من شدة الفرح فقال:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"؛ لأنه لم يقصد تأليه نفسه.
ومن تلك الأمثلة الرائعة أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما حكى مقالة الجنيد"التوحيد إفراد القدم من الحدث"قال شيخ الإسلام:"قلت: هذا الكلام فيه إجمال، والمحق يحمله محملًا حسنًا، وغير المحق يدخل في أشياء ..."، وأما الجنيد فمقصوده التوحيد الذي يشير إليه المشايخ، وهو التوحيد في القصد والإرادة، وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة، وهو أن يفرد الحق سبحانه - وهو القديم - بهذا كله فلا يشركه في ذلك محدث" [2] ."
فانظر - رحمك الله - إلى هذا العدل والإنصاف الذي سار عليه هؤلاء الأعلام، وكيف حملوا العبارات المحتملة على المحامل الحسنة، مع إمكانهم أن يحملوها على المحمل الآخر، لكن سلامة الصدر وسخاء النفس والنصح للأمة تأبى عليهم ذلك، فليت من يتصيدون الأخطاء، ويفرحون بالعثرات ويعاملون العلماء الدعاة بسوء الظن يفقهون هذا المنهج.
(1) مدارج السالكين [ج3 ص521] .
(2) الاستقامة [ج1 ص92] .