وقال الفضيل بن عياض:"لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما أدرك بسخاء النفس وسلامة الصدر والنصح للأمة" [1] .
فهل يظن منصف بعد تلك النقول المشرفة أن الدعوة إلى إحسان الظن منهج مخترع لم يسبق إليه؟!!
2 -إن هذا المنهج هو الذي سار عليه السلف وامتثلوه في حياتهم العملية راسمين لنا صورًا مشرقة في التعامل مع الآخرين، فمن ذلك:
أن الربيع بن سليمان أحد تلاميذ الإمام الشافعي دخل على الشافعي ذات يوم يعوده من مرض ألم به فقال له:"قوَّى الله ضعفك، فقال الشافعي: لو قوَّى ضعفي لقتلني، فقال الربيع: والله ما أردت إلا الخير، فقال الشافعي: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير ..." [2] .
وهذا أبو إسحاق الشيرازي نزع عمامته ذات مرة وكانت بعشرين دينارًا، وتوضأ في دجلة، فجاء لص فأخذها وترك عمامة رديئة بدلها، فطلع الشيخ فلبسها وما شعر حتى سألوه وهو يدرس فقال: لعل الذي أخذها محتاج [3] .
وقرأ عثمان بن أبي شيبة: جعل السفينة في رحل أخيه فقيل له: إنما هو السقاية فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم. علق الإمام الذهبي على ذلك بقوله: فكأنه كان صاحب دعابة، ولعله تاب وأناب [4] .
(1) غربة الإسلام لابن رجب [ص87] .
(2) آداب الشافعي للرازي [ص274] .
(3) سير أعلام النبلاء [ج18 ص459] .
(4) ميزان الاعتدال [ج3 ص38] .