فالإسناد من خصوصيات هذه الأمة التي امتن الله به عليها دون سائر الأمم، قال الحافظ بن الصلاح:"أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة" [1] .
وقال الإمام القسطلاني:"قال أبو بكر محمد بن أحمد: بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها من الأمم: الإسناد، والأنساب، والإعراب" [2] .
والمقصود بطلب الإسناد في هذا الباب معرفة القائل ومصدر الخبر عند تضارب الشائعات، ليرد الإنسان عن نفسه التهم، ويسكت المفتري، ويتعرى المروجون للأباطيل، فتسقط الثقة بأخبارهم عند عقلاء القوم، الباحثين عن الحق والإنصاف.
لذا توافرت النصوص عن سلفنا الصالح رحمهم الله في الحث على لزوم الإسناد والاهتمام به والمحافظة عليه , فمن ذلك:
قول عبد الله بن المبارك رحمه الله:"الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل له من حدثك بقي" [3] أي أفحم فظل ساكتًا لا يستطيع الجواب.
فتأمل رحمك الله في قوله"لقال من شاء ما شاء"فقد عد الإسناد لجامًا للثرثارين، وبابًا موصدًا على المتسرعين، وحصنًا منيعًا في طريق المرجفين، وبدونه تصبح الأمور خبط عشواء، وتكون أعراض المسلمين كلأ مباحًا لأصحاب الأهواء ذوي النفوس المريضة، والمقاصد السيئة، اللهم سلِّم.
وقال سفيان الثوري:"الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل" [4] .
(1) علوم الحديث، [ص231] .
(2) قواعد التحديث، [ص185] وانظر المواهب اللدنية، [ج5، ص395] .
(3) صحيح مسلم، المقدمة [ج1، ص15] شرح علل الترمذي [ج1، ص359] .
(4) المجروحين، [ج1، ص27] وانظر فتح المغيث، [ج3، ص5] وتدريب الراوي، [ص359] .