فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 252

وقد ورد هذا المعنى عن علي، وابن عباس رضي الله عنه [1] .

وقد أجاب الجمهور عن هذه المناقشة بأنه لا يصح تفسير قوله تعالى: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [2] ، بالمسافر؛ لأمرين:

الأول: أن الجنب إذا لم يجد ماء يجوز له أن يتيمم، سواء كان عابر سبيل أو مقيمًا في البلد فيكون قوله: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} قيد لا معنى له.

الثاني: أن الله تعالى قال فيما بعد: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُو} [3] ، فذكر التيمم فيما بعد للمسافر، لو كان هو المقصود في أول الآية لكان هذا تكرارًا يصان القرآن عن مثله [4] .

ويمكن أن يرد على هذا الجواب فيقال: أما الأمر الأول: فإن الله ذكر المسافر على سبيل التغليب.

وأما الأمر الثاني: فإن التكرار موجود في القرآن لأهميته، والله أعلم.

2 -حديث عائشة رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء رسول الله ووجوب بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" [5] .

(1) أما أثر علي فأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 157 عن علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن المنهال، عن عباد بن عبد الله وزر بن أبي حبيش به. وهذا إسناد صحيح.

وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 157 عن وكيع عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز به، وابن أبي عروبة اسمه: سعيد، ثقة حافظ كثير التدليس واختلط، لكنه أثبت الناس في قتادة (التقريب 2/ 302) وعليه فالأثر صحيح.

(2) سورة النساء: آية 43.

(3) سورة النساء آية 43.

(4) انظر: تفسير ابن جرير 4/ 102، تفسير ابن كثير 1/ 502، وأحكام القرآن للقرطبي 5/ 207.

(5) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الجنب يدخل المسجد (ح232) ، وابن خزيمة (ح1327) ، والبيهقيق 2/ 442 من طريق عبد الواحد بن زياد عن أفلت بن خليفة قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة به.

ولهذا الحديث علل:

أولًا: تفرد جسرة بهذا الحديث عن عائشة، ومثلها لا يحمل تفردها عن عائشة بمثل هذا، وأين أصحاب عائشة رضي الله عنه الكبار عن مثل هذا كعروة وأبي سلمة وغيرهما ولهذا قال البخاري في التاريخ الكبير (القسم الثاني من الأول) ص62:"عند جسرة عجائب".

وقال البيهقي:"فيها نظرة" (تهذيب التهذيب 12/ 435) .

وفي التقريب 2/ 593:"جسرة بنت دجاجة العامرية الكوفية مقبولة، ويقال: إن لها إدراكًا".

وأما قول ابن القطان:"وقول البخاري في جسرة أن عندها عجائب لا يكفي في رد أخبارها"، وقولي العجلي:"جسرة تابعية ثقة فقوله - أي البخاري - عندها عجائب ليس بصريح في الجرح" (تهذيب الكمال 22/ 307، وتهذيب التهذيب 12/ 435) .

فهذا لا وجه له؛ لأن الإمام البخاري رحمه الله له نقد معروف وعنده دقة في ذلك، فقد يقول في الراوي فيه نظر ويقصد بذكل تضعيفه، فكيف بمن قال بعد ذكر خبرها"عندها عجائب"؟!، والأئمة ربما أعلوا حديث الثقة لتفرده عن أقرانه الذين هم أحفظ وأضبط للحديث منه في شيخهم.

ثانيًا: أنه اختلف عليها فرواه الأفلت عنها عن عائشة، ورواه ابن أبي غنية عن أبي الخطاب الهجري عن محدوج الذهلي عن جسرة قالت: أخبرتني أم سلمة .. الحديث أخرجه ابن ماجه في الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد (ح645) ، والطبراني في الكبير 23/ 373 (ح883) ، وابن أبي حاتم في العلل 1/ 99، وقال:"قال أبو زرعة يقولون عن جسرة عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة".

وقال ابن حزم في المحلى 2/ 185:"أما محدوج فساقط يروي المعضلات عن جسرة، وأبو الخطاب الهجري مجهول"، وقال في الحديث منجميع طرقه:"وهذا كله باطل".

وقال البخاري في التاريخ الكبير (القسم الثاني من الأول) ص62:"قال يحيى بن سعيد عن سفيان عن فليت العامري. وقال ابن مهدي عن سفيان عن فليت الذهلي سمع جسرة."

وقال عروة وعبادة بن عبد الله عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم سدوا هذه الأبواب إلى باب أبي بكر، وهذا أصح"أ. هـ."

ثالثًا: أن في إسناده أفلت بن خليفة، ويقال: فليت بن خليفة العامري. قال ابن المنذر في الأوسط 2/ 110:"وهو غير ثابت؛ لأن أفلت لا يجوز الاحتجاج بحديثه"، وقال ابن حزم في المحلى 2/ 253:"أما أفلت فغير مشهرو ولا معروف"، وقال الخطابي في معالم السنن 1/ 158:"وضعفوا هذا الحديث، وقالوا: أفلت رواية مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه". وقول أحمد:"لا بأس به" (تهذيب الكمال 2/ 307، وتهذيب التهذيب 1/ 320) فإن هذه اللفظة لا تعني توثيق حديثه، إلا أنه هناك فرق عند المحدثين بين توثيق الراوي وقبول حديثه. فأفلت وإن كان صدوقًا كما ذكر الذهبي وابن حجر، إلا أنه لا يحمل تفرده بهذا عن جسرة.

وللحديث بعض الشواهد، لكنها بأسانيد واهية لا تقوم بها حجة، ولا يأخذ بها الحديث قوة كما في الإرواء 1/ 212، وبهذا بجاب على من صحح الحديث كابن خزيمة وابن القطان والشوكاني كما في التلخيص 185، والسيل الجرار 1/ 109، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت