القول الثاني: صحة اعتكافهم في المسجد.
وهو قول الظاهرية [2] .
الأدلة:
استدل جمهور أهل العلم على عدم صحة اعتكاف الحائض والنفساء والجنب بالأدلة الدالة على تحريم لبثهم في المسجد - لكن عند الحنابلة: إذا توضأ الجنب جاز لبثه في المسجد - وهي كما يلي [3] :
1 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [4] .
وجه الدلالة: أن الله نهى الجنب عن قربان مواضع الصلاة وهي المساجد [5] ، وغذا ثبت هذا في الجنب فكذا الحائض، لأن حدثها آكد ولذلك حرم الوطء ومنع الصيام، وأسقط الصلاة، وساواها في أكثر الأحكام [6] .
قال الشافعي: (قال بعض العلماء بالقرآن معناها لا تقربوا مواضع الصلاة، وما أشبه ما قال بما قال؛ لأنه ليس في الصلاة عبور سبيل، إنما السبيل في موضعها وهو المسجد) [7] .
وقد ورد هذا التفسير عن أنس وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنه [8] .
(1) انظر: مراقي الفلاح وحاشيته ص460، وحاشية ابن عابدين 2/ 442.
(2) المحلى 2/ 250، 5/ 286.
(3) رأيت إيراد أدلة تحريم لبث الحائض والجنب في المسجد وعدم تحريمه؛ لأن المسألة اعتكافهم مبنية على ذلك، إذ الاعتكاف هو اللبث في المسجد، والله أعلم.
(4) سورة النساء، آية 43.
(5) الأوسط لابن المنذر 2/ 109.
(6) الحاوي 1/ 384.
(7) الأم 1/ 54.
(8) أما أثر أنس رضي الله عنه فأخرجه الدارمي (ح1175) ، والبيهقي 2/ 443، من طريق الحسن بن أبي جعفر الأزدي عن مسلم العلوي عن أنس.
والحسن بن أبي جعفر، قال عنه أبو حاتم وأبو زرعة: ليس بشيء وقال عمرو بن علي: صدوق منكر الحديث، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.
وقال البخاري: منكر الحديث.
(تهذيب الكمال 4/ 280، وتهذيب التهذيب 2/ 260) .
وكذا مسلم العلوي: قال ابن حبان: لا يحتج به، وضعفه شعبة وابن معين.
(تهذيب الكمال 7/ 408، وتهذيب التهذيب 4/ 134) .
وقال ابن حجر في التقريب 1/ 314:"ضعيف".
وأما أثر ابن مسعود، فأخرجه عبد الرزاق 1/ 4121، وابن المنذر في الأوسط 2/ 107، والبيهقي 2/ 443.
قال البيهقي:"مرسل أبو عبيدة لم يسمع من أبيه"، وكذا قال العراقي في تخريجه للإحياء 2/ 204.
وأما أثر ابن عباس، فأخرجه الدرامي (ح1174) ، وابن المنذر في الأوسط 2/ 106، والبيهقي في السنن الكبرى 2/ 443.
ومداره على أبي جعفر الرازي: عيسى بن ماهان الرازي.
وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وابن المديني. وضعفه الإمام أحمد والنسائي والفلاس وابن حبان.
وقال ابن حجر في التقريب 2/ 406:"صدوق".
فالأثر جيد.
(تهذيب الكمال 21/ 140، وتهذيب التهذيب 8/ 203، 12/ 60) .