سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة"رواه البخاري [1] ."
وقد يعترض معترض فيقول: إن قلتم بأن الروح تنفخ في الجنين بعد (120) يومًا، فما تصنعون بحديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أنه قال:"يدخل الملك في النطفة بعدما تستقر في الرحم أربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربّ .. ذكرًا أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم يطوي الصحيفة، فلا يزاد فيها ولا ينقص" [2] .
فنجيب عليه بأننا نتلقى هذا الحديث بالقبول والتصديق وترك التحريف، ولا يعارض حديث ابن مسعود إذ غاية ما فيه أن التقدير وقع بعد الأربعين الأولى، وحديث ابن مسعود يدل على أنه وقع بعد الأربعين الثالثة، وكلاهما حق قاله الرسول الصادق (- صلى الله عليه وسلم -) ، وهذا تقديرٌ بعد تقديرٍ، فالأول تقديرٌ عند انتقال النطفة إلى أول أطوار التخليق وهي أول مراتب الإنسان، وأما قبل ذلك فلم يتعلق بها التخليق، والتقدير الثاني عند كمال خلقه ونفخ الروح، فذلك تقدير عند أول خلقه وتصويره، وهذا تقدير عند تمام خلقه وتصويره [3] .
المطلب الثاني: حكم الإجهاض بعد نفخ الروح
اتفق الفقهاء جميعًا في أن الإجهاض بعد نفخ الروح محرم غير جائز إلا لضرورة وهي التي يعبر عنها الفقهاء بالعذر، كتعسر الولادة وكان في بقاء الحمل خطر على حياة الأم، فإنه في هذه الحالة يباح الإجهاض لإزالة الضرر الأشد بالضرر الأخف. ولا بد أن أبين هنا بعض نصوص فقهاء المذاهب الأربعة:
(1) الجامع الصحيح للإمام محمد بن إسماعيل البخاري - كتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة - حديث رقم (3036) : 3/ 1174 - ط دار ابن كثير - بيروت - ط الثالثة - 1407هـ، 1987م - تحقيق د. مصطفى البغا.
(2) صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري - كتاب القدر - باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه - حديث رقم (2644) : 4/ 2036 - ط دار إحياء التراث العربي - بيروت - بدون رقم وسنة - تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
(3) ينظر التبيان في أقسام القرآن للإمام ابن قيم الجوزية: ص217 - ط دار الفكر - بيروت - بدون سنة.