... من هذا التحليل المقتضب لمسألة التعارف بوصفه إطارا إسلاميا للتواصل والحوار والتفاعل بين الناس عموما، فأن التعارف في المنظور الإسلامي يمكن أن يُدرس من جوانب متعددة، ويمكن أن يُنظر إليه من زوايا نظر متكاملة ومتداخلة. والتعارف أولا يمكن أن ينظر إليه كرسالة وواجب ينبغي أن يقوم به المسلم إزاء نفسه ومجتمعه وأمته والآخرين الذين يعيشون معه في هذا العالم، من أجل التعريف بنفسه ودينه وحضارته والتعرف على دين وثقافة وحضارة الأمم الآخرى، ومن أجل بيان الحق وبيان منهجه في التوحيد والعبودية والسيادة والعمران والانقاذ والدعوة والاصلاح وغيرها...وثانيا يمكن النظر إليه كهدف من الأهداف السامية للخلق -للذكر والأنثى- وجعلهما شعوبا وقبائلا، إذ على الإنسان أن يسعى لتحقيق هذا الهدف من أجل تنمية مداركه ومعارفه ووعيه على ذاته وعلى الآخرين، وعلى العالم...وثالثا يمكن النظر إلى التعارف بوصفه وسيلة لإكتشاف آيات الله وسننه في الآفاق وفي الأنفس، وكذلك وسيلة أو أداة للإبتلاء من أجل التكريم والترقي في المراتب عند الله سبحانه وتعالى...ورابعا يمكن النظر إلى التعارف بوصفه معيارا وميزانا لقياس علاقات الناس وصلاتهم وتفاعلاتهم ومدى تحقيقهم لمراد الله في وجودهم واستخلافهم الأرضي...وخامسا يمكن النظر إلى التعارف كقيمة أخلاقية إنسانية عالية يتجسد من خلالها التوافق والانسجام والتساكن والتعايش بين الناس وتكريمهم، واحترامهم لقدرات وإمكانات بعضهم البعض...ويمكن النظر إلى التعارف بوصفه عملية تعلم وتربية وتغيير للذات واستفادة من خبرات الآخرين وجهودهم وإنجازاتهم...ويمكن النظر إلى التعارف بوصفه إطارا للحوار والتواصل والتفاعل والتكامل والتعلم. أعني إطارا يجمع كل العناصر الآخرى والجوانب المتداخلة والمتكاملة للتعارف.
ثالثا: الحوار بين التعارف والتدافع الحضاري الإسلامي