... يلفت الجاحظ إلى نقطة مهمة في غاية من التعقيد وهي عدم وضوح مفهوم المسيح عند النصارى وعدم وجود مفهوم واحد يتفق عليه الجميع في توضيح رؤيتهم نحو المسيح.
يقول الجاحظ: (ولو جهدت بكل جهدك ، جمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح لما قدرت عليه حتى تعرف به حد النصرانية وخاصة قولهم في الإلهية وكيف تقدر على ذلك؟ وأنت لو خلوت و نصرانيا نسطو ريا فسألته عن قولهم في المسيح لقال لك قولا ثم خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطو ري مثله فسألته عن قولهم في المسيح لأتاك بخلاف قول أخيه وضده ..وكذلك جميع الملكانية والعقوبية ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية كما نعرف جميع الأديان على أنهم يزعمون أن الدين لا يخرج في القياس ولا يقوم على المسائل ولا يثبت في الامتحان وإنما هو بالتسليم لما في الكتب والتقليد للأسلاف، ولعمري أن من كان دينه دينهم ليجب عليه أن يعتذر بمثل عذرهم..) (1) .
بعد هذه المقدمة الرائعة والفريدة والتي تعتبر تمهيدا لنقد عقائدهم ودليل على ضعفها وعدم استنادها إلى أدلة واضحة ومفهوم واحد .
رأيه في بنوة المسيح -عليه السلام-:
... قبل أن يناقش الجاحظ هذه المسألة الخطيرة يقف وقفة متأنية عارضا إياها بجزيئاتها وتفاصيلها.
... عرض القضية:
... إن النصارى يستدلون على أن البنوة لله واقعة من خلال نصوص الكتاب المقدس.
... فالجاحظ يبدأ هذه المسألة بسؤالهم حيث يقول: (وسألنهم عن قولهم: إذا كان الله تعالى قد اتخذ عبدا من عباده خليلا فهل يجوز أن يتخذ من عباده ولدا) (2) .
فهذا ،رأي النصارى،هو جواز اتخاذ الله ولدا كما اتخذ خليلا له.كما أن بعض المتكلمين من المعتزلة قد قالت، إذا كان ذلك (أي الأبوة والبنوة ) على التبني والتربية والإبانة له بلطف المنزلة والاختصاص له بالرحمة والمحبة، لا على جهة الولادة واتخاذ الصاحبة.