وربما اخذ الشيخ ابن عربي شواهد من مكاشفاته ليثبت كلامه فمن ذلك قوله اجتمعت روحي في بعض المكاشفات بروح السيد هارون عليه الصلاة والسلام فقلت له يا نبي الله كيف قلت لأخيك: {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ} [الأعراف: 150] وَمَنْ الاعداء في حضرتكم حتى تشهدهم مع الله تعالى، والواحد منا يصل الى مقام لا يشهد فيه الا الله تعالى، وأنتم بيقين اعلى مقامًا منا؟ فقال السيد هارون عليه السلام صحيحٌ ما قلت َ ولكن هل زال العالم في نفس الامر كما هو مشهدكم ام العالم باقٍ في نفس الامر وحُجبتم انتم عنهُ؟ فقلتُ لهُ: العالم باق ٍ لم يزلْ. فقال عليه الصلاة والسلام: فقد نقصتم من العلم بالله تعالى في هذا المشهد بقدر ما نقص من شهودكم للعالم فأنه كله دليل على الله تعالى. قال الشيخ: فقبلت رجله وشكرته على ذلك، وقلت له: قد اطلعتنا على امر ٍ لم يخطر لنا على بال. [1]
ومن ذلك قوله أيضا: لا يترك الاعتبار الا الاغمار - يعني الجهلة - الا ترى الحق تعالى كيف حفظ الخلق ولم يتركهم، اذ لو تركهم لذابوا في العدم من يحفظ عليهم وجودهم ويقوم بهم ويلحظهم، ومن قالوا: من كمال التخلق بأسماء الله تعالى الاشتغال بهم والحق. لو تركت الاغيار لتركت التكاليف التي جاءت بها الاخيار، ولو ان عبدا ترك التكاليف لكان عاصيا او جاهلًا. [2]
وفي موضع اخر يقول: لا يُقدم عبد ولو ارتفعت درجته ان يرى العالم عين الحق تعالى ابدًا ويؤيده قوله في موضع اخر لا اعرف احدا من اقراني تحقق بمقام العبودية اكثر مني، وما ثم الا وتحقق به مثلي او دوني، فأني بلغت في مقام العبودية غايته بحكم الارث للأمام ابي بكر الصديق رضي الله
(1) - المصدر نفسه:28.
(2) - المصدر نفسه:28.