الانية اصلا، على العكس تماما من تصور انهم اثبتوا آلهيتها فأين هذا من ذاك؟! [1]
انهم شعروا في لحظة من لحظات الاستغراق الكامل في التأمل الباطني والوجد الصوفي بالانمحاق والفناء عن الذات، وانه ليس لهم وجود من انفسهم فهم قائمون به وفيه ومنه واليه - {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] - و {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] فلا ينبغي لقارئ وحدة الوجود ان يسارع باتهام القائلين بوحدة الوجود بأنهم يخرجون عن الدين، أو يريدون تأليه انفسهم، او اسقاط التكاليف الشرعية عنهم. لأن الصوفية القائلين بوحدة الوجود لا يقصدون التوصل ابدا الى ذلك الغرض الباطل، كيف وهم اشد الناس عبادة وتذللا ً وخضوعا لله تعالى وعملا بتكاليفه الشرعية؟ فإذا لم يستطع الانسان ان يفهم معنى هذا الموضوع وما قدر ان يدرك ويستوعب حقيقة قصدهم منه فليتركه لأهله ولا ينكره عليهم [2] .
والمتتبع لموضوع وحدة الوجود المادية يرى انها تعتمد على أمرين هما الحلول والاتحاد. والشيخ ابن عربي ابعد الناس عن ذلك فهذه مصنفاته تترجم عن عقيدته كمثل قوله في بداية أكثر مصنفاته بالشهادة ولزوم اعتقاد مذهب اهل السنة كما نجده يتبرأ عن كل من يخالفها وخصوصا ً أولئك القائلين بالحلول والاتحاد فمن ذلك قوله وهو يصف العارف بالله تعالى بأنه (مهذب الأخلاق غير قائل بالاتحاد) [3] ومنها قوله: لا مناسبة بين الله تعالى وبين
(1) - ينظر: الفرق والمذاهب الاسلامية منذ البدايات، النشأة، التاريخ، العقيدة: سعد رستم، دار الأوائل، ط/1، 2004م، سوريا، دمشق: ص 181.
(2) - المصدر نفسه: ص: 181 - 182.
(3) - ينظر: الفتوحات المكية: 2/ 317.