وسرعان ما ظهرت ثمارالتصوف في حياة ابن عربي بناءً على ذلك النهج الذي انتهجه، فظهرت في صورة عزوف كامل عن الدنيا ولذاتها، وفجر ذلك ينابيع الحكمة في قلبه، فانجلت عين بصيرته، وارتفعت حجب الكثافة البشرية، فأبصر وأدرك واستكشف كثيرا من المعاني عن طريق الكشف او الإلهام.
وكانت بداية هذا الكشف عنده بواسطة الرؤى الصادقة، وكثيرا ما رأى ابن عربي رؤى تحققت في عالم اليقظة، وقد صاحب هذه الرؤى الصادقة الشيخ ابن عربي في حياته وزاد عليها ما كان يراه من تجليات هي غريبة في عالم الحس والعقل، ولكنها ليست كذلك في عالم الحقيقة والكشف، فمن ذلك مشاهدته بعض الاشخاص يقتحمون عليه خلوته والباب مغلق عليه فيحادثهم ويحادثونه ثم ينصرفون دون ان يفتح الباب او النافذة، ثم يزيد ذلك ما كان يصاحب جسده من إشراق في اثناء ذكره، ينبعث من باطنه حتى يذهب ظلام الحجرة التي يوجد فيها، وقد حدثت له هذه الواقعة في اكثر من مكان ومنها في مصر اثناء زيارته لها، ويزيد على ذلك ان يكون له لقاء خاص مع ارواح الأنبياء والأولياء والمؤمنين السابقين على انحاء مختلفة يفصلها تلميذه صدر الدين القونوي بقوله: (كان شيخنا ابن عربي متمكنا من الاجتماع بروح من شاء من الانبياء الماضيين على ثلاثة انحاء، إن شاء الله استنزل روحانيته في هذا العالم، وأدركه متجسدا في صورة مثالية، شبيهة بصورته الحسية الجسدية، التي كانت له في حياته الدنيا، وان شاء احضره في نومه، وان شاء انسلخ عن هيكله واجتمع به) [1] .
(1) ينظر: شذرات الذهب: لابن العماد:5/ 169.