قال وعلى المعنى الذي أراد، كما أن العرش وما سواه به استوى وله الآخره والأولى، ليس له مثل معقول ولا دلت عليه العقول، لا يحده زمان [1] ، ولا يقله مكان، بل كان ولا مكان وهو على ما عليه كان، خلق المتمكن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال انا الواحد الحي لا يؤوده حفظ المخلوقات، ولا ترجع اليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات، تعالى ان تحله الحوادث او يحلها، او تكون بعده او يكون قبلها، بل يقال كان ولا شيء معه، فإن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي ابدعه فهو القيوم الذي لا ينام، والقهار الذي لا يرام، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، خلق العرش وجعله حد استواء، وأنشأ الكرسي وأوسعه الآرض والسموات العلى، اخترع اللوح والقلم الأعلى وأجراه كاتبا بعلمه في خلقه الى يوم الفصل والقضاء ... فـ {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] ، {لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 28] ، {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] ، {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] ، كيف لا يعلم شيئا هو خلقه {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) } [الملك: 14] ، علم الاشياء منها قبل وجودها، ثم اوجدها على حدّ ما علمها، فلم يزل عالما بالاشياء، لم يتجدد له علم عند تجدد الإنشاء، بعلمه اتقن الاشياء واحكمها، ... علم الكليات على الاطلاق كما علم الجزئيات باجماع من اهل النظر الصحيح واتفاق فهو عالم الغيب والشهادة، فـ {تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) } [النمل: 63] .
(1) الزمان عند اهل السنة: عبارة عن متجدد يقدر به متجدد آخر، وهو عند الفلاسفة عبارة عن مقدار حركة الفلك، والله منزه عن ذلك جميعا، ينظر: المطالب الوفية شرح العقيدة النسفية:64