إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردتا فيهما لفظة الوسيلة، وهما قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدا في سبيله لعلكم تفلحون}
(سورة المائدة:35)
وقوله سبحانه وتعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا} (سورة الإسراء: 57) .
فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: (يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. {اتقوا الله} يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. {وابتغوا إليه الوسيلة} : يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه) . [1]
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: (أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه) ثم قال ابن كثير: (وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه .. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود) [2] .
وأما الآية الثانية فقد بيّن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: (نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون) [3] .
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم , 2/ 52
(2) . المصدر السابق: 2/ 53.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه: ك التفسير , ح (3030) , 6/ 443.