ويقول عبد العزيز البخاري (1) : (إذا تعارض نصان قاطعان، فلا سبيل إلى الترجيح؛ بل المتأخر هو الناسخ إن عرف التاريخ وإلاّ وجب المصير إلى دليل آخر أو التوقف) (2) .
يتبيّن من النصين السابقين أن المجتهد يبحث عن دليل آخر إذا لم يعلم التاريخ، والذي يبدو أنّه لا يوجد نصان متعارضان في الشريعة الإسلامية لا يعلم العلماء جميعًا تاريخ ورودهما، فجزاهم الله عنّا وعن المسلمين خير الجزاء.
وأمّا النصوص الظنية فتتعارضان وحينئذِ يحتاج إلى الترجيح (3) ،وعلة وجود التعارض في الأدلة الظنية، هي التوسيع على المكلفين لئلاّ ينحصروا في مذهب واحد.
يقول الإمام الزركشي: (اعلم أن الله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة؛ بل جعلها ظنية قصدًا للتوسيع على المكلفين لئلاّ ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل عليه، وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية، فقد تعارض بعارض في الظاهر بحسب جلائها وخفائها فوجب الترجيح بينهما والعمل بالأقوى والدليل على تعيين الأقوى) (4) .
والترجيح بين المرجحات باب واسع من أبواب أصول الفقه، ومن رام فيه فقد رام شططًا لا تتسع له قوّة البشر.
يقول الشنقيطي (5) : (اعلم أنّه قد يكون الترجيح بين المرجحات باب واسع لا تمكن
(1) هو عبد العزيز بن أحمد بن محمد، علاء الدين البخاري، فقيه أصولي من أهل بخارى توفي سنة (730هـ) من تصانيفه: كشف الأسرار في شرح أصول البزدوي، التحقيق في شرح المنتخب في أصول المذهب الأَخْسِيكَثِي، كتاب الأفنية ذكر فيه فناء المسجد وفناء الدار وفناء مصر، شرح الهداية في فروع الحنفي وصل إلى باب النكاح. ينظر: الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية: 2/ 428، معجم المؤلفين: 2/ 157 - 158
(2) كشف الأسرار: 4/ 110 - 111 ... .
(3) ينظر: البرهان للجويني: 2/ 283 - شرح مختصر الروضة للطوفي: 3/ 682، نهاية السول شرح المنهاج: 3/ 156، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 2/ 609، إرشاد الفحول للشوكاني: 2/ 1122.
(4) البحر المحيط للزركشي: 6/ 108
(5) هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الشنقيطي، ولد بشنقيط سنة (1305هـ) مفسر ومدرس من علماء شنقيط من أعمال موريتانيا، ذهب إلى الحجّ سنة (1367هـ) ، واستقر مدرسًا في المدينة المنورة ثمّ الرياض حتى ت (1393هـ) من تصانيفه: أضواء البيان في التفسير الذي لم يكمله فأكمله تلميذه عطية محمد سالم- دفع إيهام الأضطراب، رحلة خروجه من بلاده إلى المدينة، آداب البحث والمناظرة، مذكرة في أصول الفقه وهي تعليق على روضة الناظر. ينظر: الأعلام للزركلي: 6/ 45، نثر الجواهروالدرر=