المطلب الرابع: (ما يقع فيه الترجيح)
يقصدعلماء الأصول بما يقع فيه الترجيح الطرق الموصلة إلى المطلوبات، و قسّموها إلى قطعي وظني، فأمّا النصوص القطعية فلا تقبل الترجيح؛ لأن الترجيح عبارة عن التقوية والنصوص القطعية لا تقبل التقوية، و إن قارنها احتمال النقيض ولو على أبعد الوجوه لكانت ظنًّا لا قطعًا (1) .
يقول الإمام الآمدي: (أما القطعي فلا ترجيح فيه؛ لأن الترجيح لابد أن يكون موجبًا لتقوية أحد الطريقين المتعارضين على الآخر، والمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان، فلا يطلب فيه الترجيح) (2) .
وعلة عدم وقوع الترجيح في القطعي؛ لأنّه إما أن يعارضه قطعي أو ظنّي، فالأول محال؛ لأنّه إمّا أن يعملا بهما أو لا أو بأحدهما دون الآخر، فإن عمل بهما فهو جمع بين النقيضين في الإثبات، فإن لم يعمل بهما فهو جمع بين النقيضين في النفي، ولا يعمل بأحدهما دون الآخر؛ لأنه لا أولوية مع التساوي، وأمّا الثاني فمحال، لعدم تعادلهما في القوّة، فلا يتساوى الدليل الظني مع الدليل القطعي؛ بل يقدم القطعي باتفاق الأصوليين (3) .
وفي حالة حصول التعارض بين نصين قاطعين، فيلجأ المجتهد إلى الجمعبينهما إن أمكن؛ لأن العمل بهما أولى من العمل بأحدهما، وإن لم يمكن الجمع بينهما لجأ المجتهد إلى تاريخ ورود النصين، فإن علم تاريخهما جعل النص المتأخر ناسخًا للنص المتقدم، وأشار الأصوليون بعبارتهم إلى ذلك:
يقول الإمام الغزالي: (إذا تعارض نصان قاطعان، فلا سبيل إلى الترجيح؛ بل إن كان متواترين حكم بأن المتأخر ناسخ) (4) .
(1) ينظر: المستصفى في علم الأصول للغزالي: 2/ 472، ميزان الأصول للسمرقندي: 2/ 1020 الأحكام للآمدي: 4/ 262، المحلّى على جمع الجوامع: 2/ 61، شرح الكوكب المنير: ص592،إرشاد الفحول للشوكاني: 2/ 1120.
(2) الأحكام للآمدي: 4/ 262.
(3) ينظر: البرهان للجويني: 2/ 283، الأحكام للآمدي: 4/ 249، شرح التلويح على التوضيح: 2/ 225، البحر المحيط للزركشي: 6/ 113، تيسير الوصول إلى منهاج الأصول، الإمام محمد بن محمد لن عبد الرحمن المعروف بابن إمام الكاملة ت (874هـ) تحقيق د-عبد الفتاح أحمد قطب الدخمي، دار النشر دار الفاروق الحديثية، الطبعة الأولى، 1423هـ - 2002م: 6/ 174 - 175.
(4) المستصفى للغزالي: 4/ 161.