وظهر بذلك أن الأمية المذكورة هنا صفة مدح وكمال من وجوه:
من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر، وهو الهلال.
ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما غلط.
ومن جهة أن فيهما تعبًا كثيرًا بلا فائدة؛ فإن ذلك شغل عن المصالح، إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه.
وإذا كان نفي الكتاب والحساب عنهم للاستغناء عنه بخير منه، وللمفسدة التي فيه؛ كان الكتاب والحساب في ذلك نقصًا وعيبًا، بل سيئة وذنبًا، فَمَن دخل فيه؛ فقد خرج عن الأمة الأمِّيَّة فيما هو من الكمال والفضل السالم عن المفسدة، ودخل في أمر ناقص يؤديه إلى الفساد والاضطراب.
وأيضًا؛ فإنه جعل هذا وصفًا للأمة كما جعلها وسطًا في قوله: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ؛ فالخروج عن ذلك اتباع غير سبيل المؤمنين.
وأيضًا؛ فالشيء إذا كان صفة للأمة؛ لأنه أصلح من غيره، ولأن غيره فيه مفسدة؛ كان ذلك مما يجب مراعاته، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره؛ لوجهين: لما فيه من المفسدة، ولأن صفة الكمال التي للأمة يجب حفظها عليها. . .».
إلى أن قال: «فالكمال والفضل الذي يحصل برؤية الهلال دون الحساب يزول بمراعاة الحساب لو لم يكن فيه مفسدة» .
انتهى المقصود من كلامه ملخصًا، وهو في آخر صفحة 164 وأول صفحة 165، ثم في صفحة 173 إلى أول صفحة 175، ثم في آخر صفحة 176 من المجلد الخامس والعشرين من «مجموع الفتاوى» .