وبعد أن أخبر الله - سبحانه وتعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن مصارع المستهزئين السابقين، فإن الله - سبحانه وتعالى - أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر قومه بأن يسيروا في الأرض، وينظروا في ديار المستهزئين السابقين كديار عاد ولوط وثمود [1] إذن؛ فالمستهزئون مقصودون بأمر الله - سبحانه وتعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يأمر قومه بالنظر في مصارع السابقين؛ حتى يتعظوا بما حلّ بالسابقين من العذاب.
وفي بيان أن الأمر بالسير في ديار الهالكين موجه للمستهزئين يقول صديق حسن القنوجي:" (قل) يامحمد لهؤلاء المستهزئين" [2]
وهناك فرق بين قوله - سبحانه وتعالى: (فانظروا) وبين: (ثم انظروا) ؛ يقول الزمخشري:"فإن قلت: أي فرق بين قوله: (فانظروا) وبين قوله: (ثم انظروا) . قلت: جعل النظر مسبَّبًا عن السير في قوله: (فانظروا) فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله: (سيروا في الأرض ثم انظروا) فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك بـ (ثم) ؛ لتباعد ما بين الواجب والمباح" [3]
ولكن ابن المنير المالكي يقول متعقبًا للزمخشري ما نصه:"وأظهر من هذا التأويل أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدًا، ليكون ذلك سببًا في النظر؛ فحيث دخلت الفاء فلإظهار السببية، وحيث دخلت: (ثم) فلتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير وشتان بين المقصود والوسيلة. والله أعلم" [4]
(1) انظر فيصل عبد العزيز آل مبارك (ت 1366هـ /1947م) ، توفيق الرحمن في دروس القرآن، تحقيق عبد العزيز عبد الله، الجزء 2، الطبعة 1، دار العليان ودار العاصمة، السعودية، 1996 م، ص 123.
(2) . القنوجي، فتح البيان في مقاصد القرآن، مصدر سابق، الجزء 2، ص 352.
(3) . الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 10.
(4) . أحمد بن محمد بن منير (ت 683 هـ / 1284 م) ،الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، المطبوع بحاشية: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 10.