الصفحة 153 من 195

أهلكهم الله كعاد وثمود أوتوا من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال، ما لم تؤت قريش من التمكين [1] "ومكنه في الأرض: أثبته فيها" [2] .

فالأمم السابقة أمم قوية، رزقها الله الرزق العظيم فأرسل عليها المطر مدرارًا - أي: كثيرًا - أي في الخصب بين الأنهار التي تجري من تحتهم، والثمار التي نبتت من الغيث المدرار [3]

وبعد ذلك أهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وأنشأ بعدهم جيلًا آخر؛ ليختبرهم فيما يأمرهم، فعملوا مثل أعمال من قبلهم، فأهلكوا كإهلاكهم [4] . وفي هاتين الآيتين السابقتين ذَكَرَ الله - سبحانه وتعالى - أمر المستهزئين، ثم وجّه النظر إلى عاقبة الأولين، ومصارع الغابرين لتكون مصارعهم عبرة للناظرين، فالنظر في مصارع الأولين، يدخل الرهبة إلى النفس التي تريد الهداية، أو النفس التي غفلت عن الحق، ولكنها ما حملت بين جنباتها العناد والجحود، بل كان سبب ضلالها الغفلة.

ثانيًا: يقول تعالى: (وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون(10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [5]

"قال سبحانه وتعالى مؤنسًا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ومسليًا له: (وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) كما استهزأوا بك يامحمد، وفيه تسلية له - صلى الله عليه وسلم - ووعيد لأهل مكة، كما أشار له بقوله: (فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ) ( ... ) أي: فنزل بهم وحلّ (مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) وهو الحق؛ حيث أُهلكوا من أجل الاستهزاء به، وقيل هو: الرسول، وقيل: العذاب" [6]

(1) انظر المصدر ذاته، الجزء 1، ص 491.

(2) الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 2، ص 115 ..

(3) انظر النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، مصدر سابق، الجزء 1، ص 491.

(4) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 2، ص 169.

(5) سورة الأنعام / 10 - 11

هاتان الآيتان مكيتان

انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 6، ص 295

(6) القنوجي، فتح البيان في مقاصد القرآن، مصدر سابق، الجزء 2، ص ص 351 - 352.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت