الصفحة 155 من 195

ولعل قول ابن المنير أقرب؛ لأن العطف بـ (ثم) لا يعني أن ما قبلها مباح وأن ما بعدها واجب كما قال الزمخشري. بل إن العطف بـ (ثم) للتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير في الأرض، والمقصود من العطف بالفاء هو إظهار السببية؛ أي إن السير في الأرض سبب للنظر. فلذلك فسيروا في الأرض كي تنظروا والله أعلم. .

والذي يُلاحظ - هنا - أن ذكر استهزاء السابقين برسلهم أُتبع بالتحذير من عاقبة المستهزئين؛ حيث أُمر المستهزئون بالنظر في مصارع السابقين.

ثالثاُ: يقول تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ(64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [1]

بعد أن بينتْ الآياتُ استهزاء المنافقين بالله وآياته ورسوله - وأنهم كفروا بسبب استهزائهم، وذكرتْ صفات المنافقين؛ حيث إنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم - أنذرتْ الآيات المستهزئين والمنافقين بالعذاب، وبعد ذلك ذكرت مصارع السابقين؛ حتى يرتدع المستهزئون عن الذي هم فيه؛ حيث قال تعالى: (كالذين من قبلكم) ؛أي: إنكم قد فعلتم مثل ما فعل السابقون قبلكم،، ولكن السابقين (كانوا أشد منكم قوة) ؛ أي: منعةً وبطشًا وسلطانًا (وأكثر أموالًا وأولادًا) وكثرة المال وكثرة الولد عزّ وجاه وقوة

(1) سورة التوبة / 64 - 70

هذه الآيات مكية

انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 8،ص 3

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت