وقد لاحظت أن القرآن الكريم قد أتبع- أحيانًا - ذكر موضوع المستهزئين بالتذكير بنعم الله - سبحانه وتعالى - وبديع صنعه، أو أتبع موضوع المستهزئين بالترهيب من عقابه وذكر مصارع السابقين أو أتبع موضوع المستهزئين بذكر نعم الله وذكر مصارع السابقين.
ومن الآيات التي أتبعت موضوع الاستهزاء بذكر نعم الله وبديع صنعه:
أولًا: يقول تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون(6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) [1]
" (فقد كذبوا) ؛ أي: كذبوا بالقرآن تكذيبًا مقارنًا للاستهزاء به، ولم يكتفوا بذلك بل طعنوا فيه، فجعلوه تارة سحرًا وأخرى شعرًا، ولم يتأملوا بما فيه من المواعظ والعبر (فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون) ؛ أي فقد بلغوا النهاية في السخرية والتكذيب فسوف يأتيهم عاقبة القرآن - الذي كانوا به يستهزئون من العقوبات العاجلة والآجلة. وفي الآية تهويل للعقاب؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على أمر وخبر خطير كقوله سبحانه: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ(1) عَنْ النَّبَإ الْعَظِيمِ) [2] " [3] .
و لم يقل سبحانه و تعالى: ما كانوا به يكذبون. بل قال: (ما كانوا به يستهزئون) ؛لأن الاستهزاء أشد منه و مستلزم له. [4]
وبعد ذلك يوجه الله - سبحانه و تعالى - أنظار عباده إلى عظيم سلطانه و علو قدره و جلالة شأنه، و أنه القاهر القادر العظيم الذي خلق الأرض و أنبت فيها من كل زوج كريم. [5]
والاستفهام بـ (ألم يروا) للتوبيخ على ترك الكفار الاعتبار بما خلق الله سبحانه وتعالى [6] . ووصف الله - سبحانه وتعالى - ما ينبت من الأرض بأنه كريم؛ أي: مرْضي وحسن. يقول الزمخشري:"وصف الزوج - وهو الصنف من النبات - بالكرم، والكريم: صفة لكل ما يُرضى ويُحمد في بابه، يقال: وجه كريم، إذا كان في حسنه وجماله، وكتاب"
(1) سورة الشعراء /6 - 7
هاتان الآيتان مكيتان
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 14، ص 84.
(2) سورة النبأ /1 - 2.
(3) المنصوري، المقتطف من عيون التفاسير، مرجع سابق، الجزء 4، ص 44.
(4) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 4، ص 110.
(5) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 3، ص 442.
(6) انظر الصابوني، صفوة التفاسير، مرجع سابق، الجزء 10، ص56.