فتذكير المستهزئين بالقرآن، منهج قرآني في التذكير. فعلى الدعاة أن يسترشدوا بهذا المنهج في دعوة المستهزئين؛ لأن القرآن يزلزل القلوب، ويكسر الحواجز التي تحبس الفطرة عن تسلّم زمام أمر القلب.
ولكن قد يسأل سائل عن المنهج المتبع في معاملة المستهزئين، هل نسخر منهم أم هل ندعوهم؟ وإذا لم نسخر منهم ودعوناهم فكيف تكون الدعوة دون الجلوس في مجالسهم الاستهزائية؟
والجواب عن هذا السؤال هو: في بداية الأمر نتبرأ من المستهزئين أولًا، وندعوهم ونذكرهم بدين الله ثانيًا، فإن لم يرجعوا إلى رشدهم فإننا نسخر منهم كما سخر نوح - عليه السلام - من ملأ قومه في نهاية الأمر بعد دعوته لهم ألف سنة إلا خمسين عامًا.
وأما عن وعظهم في مجالس استهزائهم فلا شيء فيه، والدليل على ذلك أن شعيبًا - عليه السلام - سمعهم يستهزئون بصلاته، ولكنه مكث معهم ليدعوهم وليبين لهم الحق. وأما الجلوس معهم للاستماع فقط من غير إنكار فهنا يكمن الخطر.
يقول القرطبي:"فكل من جلس مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعلموا بها؛ فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية [1] " [2] .
وهذه الردود الأربعة هي ردود فردية من الدعاة رسلًا كانوا أو أتباعًا، أما الرد الذي تقوم به الجماعة - وأقصد الدولة التي تحكم بالقرآن - فهو معاملة المستهزئين معاملة المرتدين إن كانوا مسلمين؛ ولهذا ذكر النووي وغيره مسألة الاستهزاء بدين الله - سبحانه وتعالى - في مباحث الردة؛ بل ذكره في تعريفه للردة؛ حيث يقول النووي:"الردة: هي: قطع الإسلام بنية أو بقول كفر أو فعل، سواءً قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا" [3]
(1) ويقصد القرطبي بالآية: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) . سورة النساء / 140.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 5، ص 357.
(3) الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج على متن منهاج الطالبين للنووي، مصدر سابق، الجزء 4، ص ص 123 - 124.
وانظر الرافعي، العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير، مصدر سابق، الجزء 11، ص 97.