من قبيل ما لا يصح أن يتفوّه به عاقل، وجعلتموه من أحكام الوسوسة والجنون، واستهزأتم بي وبأفعالي" [1] "
ويُلاحظ أن شعيبًا - عليه السلام - يذكّر قومه بما لديه من القدرات وأنه ليس موضعًا للسخرية والاستهزاء. وهذا منهج نبوي في الرد على المستهزئين، والذي يمكن أن يُطلق عليه: منهج نقض استهزاء المستهزئين.
أي: إنكم تستهزئون بي، وأنا لست موضعًا للاستهزاء، بدليل أن الله آتاني البينة والرزق الحسن. ومعنى البينة - هنا: العلم والنبوة والهداية [2] ، والرزق الحسن هو: المال الحلال [3] .
إذن؛ فشعيب - عليه السلام - تلطف بالرد على قومه بمنهج: (ياقوم) ، ثم رد تهمة الاستهزاء برد قوي يحرك العقل والعاطفة معًا. وهذا منهج نقض الاستهزاء. وبعد ذلك يصرح شعيب - عليه السلام -بمقصده الحقيقي الذي صرح به من قبل هذا الموقف، ويصرح به في هذا الموقف للحاجة إليه؛ حيث قال لهم: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) إنه الإصلاح الحقيقي الذي يبدأ به الداعية بنفسه فلا يخالف ما يعظ غيره حتى لا يخالف قولُه عملَه. إن شعيبًا - عليه السلام - لا يريد إلا الإصلاح"الإصلاح العام للحياة والمجتمع الذي يعود صلاحه بالخير على كل فرد وكل جماعة فيه" [4] ، وهذا الإفصاح عن الهدف والتذكير به؛ حتى لا يتوهم المدعوون أن للداعية مآرب أخرى.
وبعد ذلك يحذر شعيب - عليه السلام - قومه (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) .
(1) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 3،ص 343.
(2) انظر المصدر ذاته، الجزء 3، ص 342.
(3) انظر محمد بن عمر الجاوي (ت 1316 هـ /1898م) ، مراح لبيد لكشف معنى القرآن العظيم، تحقيق محمد أمين الضناوي، الجزء 1، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، لبنان، 1997 م، ص 515
(4) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 12، ص 1921