فقد استهزأ قوم شعيب بقدرات نبيهم العقلية، فقالوا: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) . وهذا أسلوب إطلاق المدح بقصد الاستهزاء يقول الآلوسي:" (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) وصفوه - عليه السلام - بهذين الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التهكمية. فالمراد بهما ضد معناهما" [1]
إذن؛ لقد قصد قوم شعيب بوصف نبيهم بالحليم الرشيد، أنه"السفيه الضال، وهذه تسمية على القلب استهزاء" [2]
وقد استهزأ قوم شعيب بصلاة نبيهم - أيضًا - فقالوا: (يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) وهذا استهزاء بكل دين لله الذي جاء به شعيب - عليه السلام -؛ لأن الصلاة هي أظهر شعائر الدين. فقولهم: أصلاتك. استهزاء ظاهر بصلاة نبيهم. يقول أبو حيان الأندلسي:"لما أمرهم شعيب بعبادة الله تعالى وترك عبادة أوثانهم وبإيفاء الكيل والميزان، ردوا عليه على سبيل الاستهزاء والهزو بقولهم: أصلاتك" [3]
ورغم هذا الاستهزاء بالنبي شعيب - عليه السلام -، ولكنه لم يفقد تلطفه مع قومه فقد قال لهم- في بداية الرد عليهم: (يا قوم) . ويكرر هذا النداء"الذي ينمُّ عن المحبة والشفقة، وهم يقابلونه بهذه السفاهة والرعونة" [4]
يقول أبو السعود:"وجواب الشرط محذوف يدل عليه فحوى الكلام؛ أي: أتقولون. والمعنى: إنكم نظمتموني في سلك السفهاء والغواة وعددتم ما صدر عني من الأوامر والنواهي"
(1) محمود الآلوسي (ت1270 هـ /1854م) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم و السبع المثاني، الجزء 7، دون ذكر الطبعة، دار الفكر، لبنان، 1994م، ص 177
(2) النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 87
(3) محمد بن يوسف بن حيان (ت 754 هـ / 1353م) ، النهر الماد من البحر المحيط، ضبط بوران وهديان، الجزء 2، الطبعة 1، دار الجنان، لبنان، 1987 م، ص 85
(4) الصابوني، قبس من نور القرآن الكريم، مرجع سابق، الجزء 5، ص 74.