ولأن هذه الوعود كانت معللة بالإيمان والطاعة والقيام بفرائض الرب وشرائعه وأوامره، إلا أن اليهود انحرفوا عن عبادة الله تاركين شريعته، منحرفين عن كلامه، قاتلين لرسله وأنبيائه، وما زالوا إلى اليوم نموذجًا للإجرام والفساد والظلم.
وأن الوعد لامتلاك الأرض ما بين النيل إلى الفرات يتناقض مع بقية الوعود الدالة على امتلاك الأرض المقدسة أرض كنعان، والتاريخ كما ذكرنا سابقًا نقلًا عن ابن حزم لم يثبت أن اليهود امتلكوا من هذه الأرض شيئًا ولا ليوم واحد.
أما القسم الثاني الخاص بإسحاق عليه السلام، فهي وعود قبل أن يولد إسحاق، والابن الموجود هو إسماعيل، فكيف لإبراهيم أن يعطى ولدًا ليس موجودًا ولا يعلم أنه سيلده مستقبلًا، مع وجود ابنه إسماعيل بين يديه.
وأن هذه الوعود من إبراهيم لإسحاق وحده تتنافى مع الوعود القائلة لنسل إبراهيم كلهم، فكيف له أن يخص ولدًا دون بقية أخوته، وخصوصًا أن إسماعيل أكثر الله من نسله، فكانوا أكثر من نسل إسحاق، الأمر لا يتعدّى كونه مكر وكذب من قبل اليهود.
أما القسم الثالث الخاص بيعقوب عليه السلام، فالتوراة تدعي أن هذه الوعود انتقلت من إسحاق إلى يعقوب وحده، مع أنه كان له أخوة أكبر منه، فلماذا خص إسحاق يعقوب دون غيره من أخوته، وقد كان عيسو مقربًا إلى أبيه إسحاق كثيرًا.
ثم كيف يكون الوعد ليعقوب المخادع والمحتال على زعم التوراة، ويحرم منها الولد الصالح الطائع، ثم كيف ليعقوب أن يترك هذه الأرض الموعود بها من الرب ويهاجر إلى مصر، ويبقى هو ونسله فيها مدة أربعمائة سنة.
"إن كهان اليهود حصروا الوعد الإلهي في أبناء إسحاق لما خافوا المنافسة الدينية والدنيوية من أبناء إسماعيل وأنهم لما أحسوا خطر المنافسة على سلطانهم وسلطان هيكلهم مرة أخرى خصصوا أبناء يعقوب فقط بالوعد الإلهي دون غيرهم، بعد أن كان الوعد شاملًا لجميع أبناء إسحاق" [1] .
(1) الرقب: ليس لليهود حق، ص9.