يقول ابن حزم: (فما ملكوا قط من نهر مصر ولا على نحو عشرة أيام منه شبرًا واحدًا وذلك من موقع النيل إلى قرب مدينة القدس، وفي هذه المسافة الصحاري المشهورة الممتدة والحضار، ثم رفح وغزة وعسقلان، وجبال الشراة التي لم تزل تحاربهم طول مدة ملكهم، وتذيقهم الأمرّين إلى انقضاء دولتهم ولا ملكوا قط من الفرات ولا عشرة أيام منه، بل بين حوز بني إسرائيل إلى أقرب مكان من الفرات إليهم نحو تسعين فرخسًا، فيها قنسرين وحمص التي لم يقربوا منها قط، ثم دمشق وصور وصيدا التي لم يزل أهلها يحاربونهم ويسومونهم الخسف طول مدة دولتهم بإقرارهم ونصوص كتبهم) [1] .
والحق أن دولتهم التي أقاموها زمن داود وسليمان ومن خلفهم من المؤمنين كانت على جزء من أرض فلسطين، فلما كفروا وعصوا أمر أنبيائهم سلط الله عليهم من أذّلهم وسباهم إلى بابل مرتين، فأصبحت فلسطين خالية منهم يعيش فيها أهلها الأصليون.
إذًا ذكر النيل والفرات دخيل وضعه أحبارهم تدليسًا وكذبًا، وحتى أرض كنعان لم يتحقق لهم على مدار التاريخ أن امتلكوها، ولن يمتلكوها بإذن الله.
ومما يدل على بطلان وكذب النيل إلى الفرات أن النصوص المتكلمة عن الوعد الرباني لإبراهيم أو إسحاق أو يعقوب تتكلم عن أرض كنعان، وأن الوعد الذي تم لإسحاق ويعقوب كان وهما يعيشان على أرض كنعان قبل خروجهم إلى مصر، وأن موسى لما خرج من مصر أرسل من يتجسس على أرض كنعان، وقد تقاعس من معه عن دخولها فحرمها عليهم الله، حتى جاء زمن يشوع فدخل الأرض المقدسة.
وكما تحدثنا سابقًا إن حدود هذه الأرض التي أقاموا عليها دولتهم لا تمثل شيء بالنسبة لمجموع أرض فلسطين وحتى لا تقارن بالأرض الوارد ذكرها في نصوص التوراة على حسب زعمهم.
(1) عبد الوهاب طويلة: توراة اليهود والإمام ابن حزم، ص234.