في الموقف الأول، ويُغَرِّدُ بِفَصْلٍ حَسَنٍ من أنواع التسليم هنالك، ثم يتقدم والشريفُ وحَفَدتُه وراءَه حتى يقف به موقفَ الناس اليوم، مستقبلًا للقبر، مستدبرًا للقبلة، مُغرِّدًا بالصلاة والتسليم، ثم ينتهي بهم إلى محاذاة ضريحي الشيخين، ضجيعَيْ رسولِ الله ورضي عنهما، فيقف بهم هنالك وهو يُغرِّد بالتسليم عليهما، والثناء اللائق بجلال قدرهما، والتقريظ العَليِّ بِأَعْدَلِ شعار السنة، والتنويه المُعْلِم باحتبائهم من حبهما (1) بأقوى حُبَّة (2) .
وهذا من محاسن هذا الشريفِ المتولي في زماننا وجمالِ مناصبه/52 ومفاخره، التي تلوح رتبها على مناكب مناقبه.
ثم يرجع بهم مزورهم إلى محاذاة القبر الشريف، ويرفع عقيرتَه بالدعوات المأثورة وغيرها من مهماتهم، جعل الله ذلك شعارًا سرمدًا باقيًا، وللمستعين به إلى مراقي السنة النبوية راقيًا.
ويستقبل الزائر المذكور جدار الحجرة الشريفة عند محاذاة تمام أربع أذرع من رأس القبر بعيدًا، ويجعل القنديل على رأسه، ناظرًا إلى أسفل ما يستقبل من جدار الحجرة الشريفة، ملتزمًا للحياء والأدب التام في ظاهره وباطنه، وليتلبس بالخشوع والهيبة والإجلال، ويستحضر قول القائل، وقد أحسن في المقال:
وما تَزَيَّدْتُ (3) جزاءً من مهابَتكُم
إلا تَزَيَّدْتُ (4) من عِيِّي ومن بَكَمِى
كناظِرِ الشمسِ يرعاها بناظِرِه
تراه من كثرةِ الأنوارِ في ألمِ
ثم يسلم ولا يرفع صوته ولا يخفيه، بل يقتصد، ويقول (5)
(1) أي: بدنوهم منه واختصاصهم به.القاموس (حبو) ص1272.
(2) الحُبَّة -بالضم: المحبوب . القاموس (حبب) ص70 .
(3) كذا في الأصل.
(4) كذا في الأصل.
(5) هذه الصيغ في بعضها غلو.
ولقد كره الإمام مالك رحمه الله أن يطيل الرجل القيام والدعاء عند قبر النبي صلى الله ... عليه وسلم؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك. ينظر الصارم المنكي ص396.