ومنها: ما حكاه عبد السلام بن أبي القاسم الصَّقَلِّي (1) يقول: حدثني رجل ثقة نسيت اسمه، قال: كنت بمدينة النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يكن لي شيء، فضَعُفْتُ، فأتيت الحجرة وقلت: يا سيد الأولين والآخرين، أنا رجل من أهل مصر،
ولي خمسة أشهر في جوارك، وقد ضَعُفْتُ، فقلت: أسأل اللهَ تعالى، وأسألك (2) أنْ تُسَخِّرَ لي من يُشْبِعُني أو يخرجني، ثم دعوت عند الحجرة بدعوات، وجلست عند المنبر، فإذا برجل قد دخل الحجرة، فوقف يتكلم بكلام ويقول: ياجَدّاه ياجَدّاه، ثم جاء إليَّ وقبض على يدي، وقال لي: قم، فقمتُ صَحِبْتُه، فخرج بي من باب جبريل، وغدا إلى البقيع، وخرج منه، فإذا بخيمة مضروبة وجارية وعبد، فقال لهما: قوما اصنعا لضيفكما عيشه، فقام العبد، فجمع الحطب،وأوقد النار، وقامت الجارية وطحنت وصنعَتْ مَلَّةً (3) ،وشاغلني بالحديث حتى أتت الجارية بالمَلَّة، فقسمها نصفين، وأتت الجارية بعُكَّةٍ (4) من سمن، فصب على المَلَّة، وأتت بتمر، فصنعها جيدًا، وقال لي: كُلْ. فأكلتُ شيئًا قليلًا، فصدَرْتُ، فقال لي:كلْ. فأكلت، فقلت: يا سيدي، لي أشهر لم آكُلْ فيها حنطة ولا أريد فيها (5)
(1) لم أقف له على ترجمة،والصَّقَلِّي نسبة إلى صَقَلِّية وهي: جزيرة في البحر الأبيض المتوسط فتحها المسلمون على يد أسد بن الفرات سنة (212هـ) ، وهي الآن تابعة لإيطاليا. معجم البلدان 3/416.
(2) هذا من الأمور التي لا تجوز شرعًا، فالذي يُسأل دَفْعَ الضر وكشفَ البلوى هو الله وحده، وفي الحديث الشريف: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» .
(3) المَلَّةُ: الرماد الحار الذي يحمى ليدفن فيه الخبز لينضج. القاموس (ملل) ص1058، وهذا من باب إطلاق المحل وإرادة الحال.
(4) العكة: وعاء من جلود مستدير يختص بالسمن والعسل، وهو بالسمن أخص.النهاية (عكك) 3/284.
(5) كلمة (فيها) ليس لها معنى والكلام أصله"ولا أريد شيئًا". وهو كذلك في الوفاء 4/1384، ولعلها سبق نظر من الناسخ.