واستخلصوا من هذا الاستقراء وما قرره علماء اللّغة العربية قواعد يتوصل بمراعاتها إلى فهم النصوص الشرعية فهما صحيحا. (1)
ويكمن الجزء الأكبر من هذه المبادئ في العلاقة بين اللفظ والمعنى، إذ تمثل هذه المبادئ"جملة من العلوم كالنحو والصرف واللّغة وعلوم البلاغة والمنطق، التي تعين على الاستنباط في تأدية الوظائف الفقهية بشرط أن يقرر علم الأصول صلاحيتها لذلك. وهذه المبادئ من العلوم ذوات الارتباط الوثيق بقسم مباحث الألفاظ من بحوث علم الأصول التي تعد من المسائل الأصولية الرئيسة المفتقر إليها عند اعتماد الدليل اللفظي في مجال استنباط الحكم الشرعي في تحولاته وأنساقه التي يجب كشفها بوساطة المعاني". (2)
ومن الطبيعي للعلاّمة السيوطيّ- بوصفه باحثا أصوليا مجتهدا وعالما لغويا بارعا- أن يسعى لاستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وان يدلي بدلوه في هذا المجال وان يتعرض لهذا الأمر، فقال:"الألفاظ أما أن تدل بمنطوقها أو فحواها ومفهومها أو باقتضائها وضرورتها أو بمعقولها والمستنبط منها، والأول دلالة المنطوق، والثاني دلالة المفهوم، والثالث دلالة الاقتضاء، والرابع دلالة الإشارة". (3)
وقد وصف الدكتور مصطفى جمال الدين اهتمام الأصوليون بالدلالة بقوله:"فلا يتعلق غرض الأصوليين- وهم في سبيل استنباط الأحكام الشرعية من نصوص عربية فصيحة كالقرآن والسنة- إلا بدلالة هذه النصوص على الأحكام، ودلالتها متوقفة على فهمهم طرق العرب في تأليف الكلام، وما يستخدمونه في هذا التأليف من أدوات تدل على معان تطرأ على الكلام من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، وقصر وتوكيد، ونفي واستفهام، وما يدل عليه سياق الكلام جملة من إيماء، وإشارة، وتنبيه، وفحوى، ومفهوم، وأمثال ذلك". (4)
وقد أدرك الأصوليون أهمية هذه المبادئ، لأنها تساعدهم على فهم النص بشعب المعنى الثلاث: المعنى الحقيقي، أي ما وضع اللفظ بازائه أصالة، وهو ما يتكفل به علم المعجم. والمعنى الاستعمالي: وهو الذي تجاوزت اللفظة فيه ذلك المعنى الأصلي، فاستعملت اللفظ في غيره على سبيل المجاز أو الكناية، وهذا ما يتكفل به علم البيان. والمعنى الوظيفي: وهو ما تؤديه الكلمة- بما لها من معنى حقيقي أو استعمالي- في إنشاء تراكيبها مع غيرها. (5)
1 -... ينظر: علم أصول الفقه، ص160. أصول الفقه، ص110 - 111.
2 -... البحث الدلالي عند ابن سينا، ص74.
3 -... الإتقان في علوم القرآن، ج2ص91.
4 -... البحث النحوي عند الأصوليين، ص29
5 -... المصدر السابق. والبحث الدلالي عند ابن سينا، ص74.
والذي يبرز عناية الأصوليين بالجانب اللغوي إن علم أصول الفقه إذا كان يدرس أساسا وجوه دلالة الأدلة على الحكام الشرعية- والأدلة هنا هي نصوص القرآن ... الكريم والسنة المطهرة- فأن الشاغل الأول والرئيس لأصحاب هذا العلم سيكون ضبط العلاقة بين اللفظ والمعنى في الخطاب الذي يتعاملون معه، وهذا هو الخطاب الشرعي. ولما كان هذا الخطاب ورد بلسان عربي، فأن عملية ضبط تلك العلاقة ستمتد إلى هذا اللسان كله أجمع. (1)
ويتناول البحث الأصولي العلاقة بين اللفظ والمعنى (الدلالة) من جانبين: نظري وتطبيقي، أما الجانب النظري فيعالج البحث فيه ثلاث مسائل رئيسة: أصل اللّغة أتوقيفية هي أم اصطلاح؟ وجواز القياس أو عدمه في اللّغة، والاختلاف في دلالة الأسماء الشرعية كالصيام والصلاة والحج والزكاة الخ، أما الجانب التطبيقي فيعنى بتفسير الخطاب الشرعي، وأنواع دلالة اللفظ على المعنى فيه، كما استخلصوها ب"الاستقراء"من كلام العرب. (2)
وهذه المباحث النظرية والتطبيقية يمكن أن نلحظها في أبحث العلاّمة السيوطيّ المختلفة، إذ أشار إلى معظم هذه المباحث في مؤلفاته المختلفة.
وقد تناول الأصوليون الألفاظ المفردة متتبعين دلالتها منذ الوضع الأول، وما اعترى تلك الدّلالة من تغيّر و انتقال فيما رسموه من حدود، وتناولوا أيضا المعنى المفهوم من التراكيب الذي لا يقتصر على معاني المفردات في حد ذاتها. (3)
وقد تكون هذه العلاقة بين علم الدّلالة وعلم أصول الفقه هي من أهم الأساسيات التي جعلت الدكتور عادل فاخوري يُخضع تقسيمات الأصوليين لمنطق رمزي وتحليلي في دراسة المعنى وتطبيقه في علم الأصول (علامات الأصول) تطبيقا دقيقا، فكانت تقسيمات قسم من المناطقة الرمزيين في دراستهم للمعنى ثلاث أقسام رئيسة:
علم دلالة الألفاظ Semantics ( المعنى)
علم بناء الجمل Syntax ( علم النحو)
علم علاقة المز بالسلوك Pragrnatics ( الذرائعية) . (4)
1 -... ينظر: بنية العقل العربي، ص53 - 54.
2 -... ينظر: بنية العقل العربي، ص56 - 58. والحث الدلالي عند ابن سينا، ص75.
3 -... ينظر: التصور اللغوي عند الأصوليين، ص111. البحث الدلالي عند ابن سينا، ص79.
4 -... ينظر: الرسالة الرمزية في أصول الفقه، ص11. البحث الدلالي عند ابن سينا، ص83.