ومن خلال هذا البحث تجلى لنا - وبشكل واضح- الجهود اللغوية للعلامة السيوطيّ في مجال تغيّر المعنى، تلك الجهود التي فتحت الباب أمام الدارسين والباحثين في مجال الدّلالة، وأرست قواعد مهمة وأفكارًا عامة تمكن من خلالها الباحثون وعلماء اللّغة المحدثون من وضع القواعد وتنظيم القوانين العامة لعلم الدلالة الحديث.
فليس من المبالغة القول إن ما أشار إليه العلاّمة السيوطيّ في أبحاثه اللغوية والأصولية والقرآنية أنارت الطريق لعلماء اللّغة المحدثين من أجل استنباط القواعد العامة التي تعد الآن المنطلقات الأساسية والمرتكزات الرئيسة لعلم الدّلالة الحديث.
كما إنه قد ساهم في تأسيس وعي دلالي مهم يمكن رصده في نتاج العلماء اللغويين والدلاليين في العصر الحديث،"فالبحوث الدلالية العربية تمتد من القرون الثالث والرابع والخامس الهجرية إلى سائر القرون التالية لها، وهذا التاريخ المبكر إنما يعني نضجا أحرزته العربية وأصله الدارسون في جوانبها". (1)
كما إن الجهود اللغوية للعلامة السيوطيّ وغيره من العلماء العرب فتحت منافذ كبيرة للدرس الدلالي الحديث، وأرست قواعد مهمة في البحث الألسني والدلالي استفاد منه علماء اللّغة المحدثون بحيث سعوا إلى تشكيل هذا التراكم اللغوي والمعرفي في نمط علمي يستند إلى مناهج وأصول ومعايير.
وهو ما تحقق في تقدم العلم الفرنسي ميشال بريال ( M.Breal ) في الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى وضع مصطلح يشرف من خلاله على البحث في الدّلالة، واقترح دخوله اللّغة العلمية، وهذا المصطلح هو"السيمانتك"أو علم المعنى. (2)
والعلامة السيوطيّ وإن كان"مصنفًا جامعًا، وإن السمة الغالبة على مؤلفاته هي السمة الموسوعية، مع ذلك فلا يُنفي قيامه بعملية انتقائية للمعلومات التي دونها، ولا محاولة توجيه قارئه نحو خيارات معينة تتماشى واهتمامات معاصريه وثقافة عصره". (3)
كما إن التلاقح بين العلوم النظرية واللغوية عند علماء العرب هو الذي"أنتج ذلك الفكر الدلالي العربي، الذي أرسى قواعد تعد الآن المنطلقات الأساسية لعلم الدّلالة وعلم السيمياء علىِ السواء. بل إنك لا تجد كثير فرق بين علماء الدلالة في العصر [1] "
الحديث وبين علماء العرب القدامى الذين ساهموا في تأسيس وعي دلالي مهم يمكن
رصده ي نتاج الفلاسفة واللغويين وعلماء الأصول والفقهاء والأدباء". (4) "
(1) 1 - علم الدلالة عند العرب أصوله ومباحثه، ص6.
2 -المصدر السابق.
3 -ينظر: الإمام السيوطيّ وجهوده في علوم القرآن، ص635. عن (في قراءة التراث الديني- بحث- ص15) .
4 -علم الدلالة عند العرب أصوله ومباحثه، ص27.