ولقد أدى استدامة النجاح الناتج عن ممارسة الفساد وعدم مكافحته، وانتشار مظاهره الاستهلاكية البذخية، إلى نتيجة مرجّحة تتمثل في تحول ممارسة الفساد مكونًا مقبولًا، وبالتالي مستدخلًا في ثقافة الأعمال كما في الوظيفة العامة. ويعني ذلك أن ممارسة الفساد في مناخ كهذا، يبطل النظر إليها باعتبارها خرقًا للقانون والحقوق العمومية.
كما ساهمت ممارسة الفساد الموسعة، والقبول الضمني أو الصريح الذي يحظى به اجتماعيًا، في خلق ما يمكن تسميته التفاوت الرمزي. فالصورة المعمّمة عن النجاح، والقيم الاستهلاكية، وعدم احترام القانونين والمؤسسات، تشكل كلها أقنية التدوال الرمزي لعلاقات السلطة والسيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي نظام العلاقات الرمزية هذا لا يحتل من يمارس الفساد وينتج مثل هذه الصورة والقيم والسلوكات الموقع نفسه الذي يشغله من يتلقاها ويتفاعل معها حسا استعداداته. فالثراء المتحصل عن ممارسة الفساد لا يتم من دون احتلال موقع ما في شبكة العلاقات المسيطرة.
وممارسة الفساد ونتائجه الاجتماعية ـ المالية، تساهم في تسريع عملية الانتقال من قيم الجماعة المتماسكة إلى قيم الأفراد الباحثين عن نجاح فردي (وإن استظلوا خيمة الجماعة) . وبهذا نرى كيف تتم إعادة تشكيل الحقول الاجتماعية وقيمها انطلاقًا من هيمنة الحقل الاجتماعي المسيطر. مما يعني أن قيمة الثراء، وبالأخص السريع وغير المشروع، تصبح أولوية سلم القيم حتى عند شرائح اجتماعية كانت حتى أمد قريب تضع الشرف والنزاهة في المقدمة. ويُبرر ذلك، في سياق التحولات الطارئة في البنية والمجال والثقافة.
مظاهر الفساد الإعلامي:
أدى التحالف بين المال والإعلام إلى إعادة تدوير الإنتاج الكمّي والنوعيّ لوسائل التأثير في السياسة، وإلى إنشاء امبراطوريات إعلامية ـ ثقافية معبّرة عن مصالح سياسية. وأدت سيطرة المال على قطاع الإنتاج الثقافي إلى سيادة قوانين وشروط متطلبات الترويج السلعي الرأسمالي، وجعلت من بعض المثقفين والفنانين أدوات مؤجّرة في سوق الثقافة، فانتشرت الوكلات التجارية لتسويق الإنتاج، وأدخلت إلى السوق قيمًا ومعايير جديدة كان من نتائجها تزييف الإنتاج الثقافي ونسف وتعطيل روح الإبداع والتجديد، وخضوع المثقفين تحت ضغط العوز المادي إلى إنتاج ثقافي هزيل وسطحي، إنتاج فاسد أهدر الثقافة كقيمة إنسانية وحوّلها إلى سلعة رخصية ..