يجعل منها ضعفها الهيكلي من جهة، وكثرة العمليات البيروقراطية، وتعقيد الإجراءات من جهة اخرى، بيئة مواتية لانتشار الفساد.
مظاهر الفساد الاجتماعي:
تساهم الشرائح المنهمكة بممارسة الفساد، وإن بتفاوت تبعًا لحجم الاقتطاعات التي تستولي عليها، في إعادة تشكيل المشهد الاجتماعي ككل في المجمتعات العربية المختلفة، وذلك بطرق مختلفة ومتناقضة أحيانًا من خلال:
-تعظيم الطلب الاستهلاكي الترفي والتظاهري البذخي، بحيث تشكل نموذجًا للاحتذاء مسلكيًا وقيميًا. ولا سيما من خلال الصورة التي ترسمها عن نفسها، أي صورة النجاح الاجتماعي بدون كِلفة فعلية. وهي بذلك تدفع بالعديد إلى محاولة سلوك الطريق الذي عبّدته. وبهذا المعنى ندرك كيف ترتسم عملية تتفيه العمل المنتج، جزئيًا، في أفق هذا التحول المسلكي ـ القيمي الذي تنتجه ممارسة الفساد.
-التأكيد من خلال استدامة مظهر النجاح الاجتماعي والمالي الذي توّلده ممارسة الفساد، أن لا محاسبة فعلية على الأفعال الناشئة عن استخدام الموقع المشغول في المسؤولية العامة أو في الوظيفة العمومية لمنافع الثراء الشخصي. ويعني ذلك أن الهوة بين أكثرية الناس والدولة، مرتع الفساد المميز بدون محاسبة، تتعمق ويتعمق معها الاغتراب بين عالم أكثريةٍ فقيرةٍ أو بائسةٍ لا تجد لها سندًا في تنظيم الفساد الشبكي وعائداته، ودولة تملك نابًا للقمع ونابًا لحماية الفساد والفاسدين.
-السماح بمراكمة الثراء غير المشروع على نطاق موسع نسبيًا ببناء مكانة اجتماعية مصطنعة تفرض اعتماد ممارسات اجتماعية محددة. ففي بلدان الخليج العربي والسعودية، فإن أقنية توزيع هامش من الثروة النفطية، في إطار ما يمكن اعتباره رشوة معمّمة للسكان الأصليين، وهذا يعمل على إعادة التشكيل الاجتماعي في بعض البلدان العربية على الأقل. وهي إعادة تشكل تضع الفئات الطفيلية في موقع بارز من جهة المكانة كما من جهة تشكيل الرأي ولا سيما تعميم القيم الاستهلاكية الترفية من جهة، ونشر الاتجاهات المعادية للأجانب، الذي تقوم باستغلالهم في غياب أي تشريع فعّال يحدد شروط عملهم ويحفظ لهم الحد الأدنى من جهة أخرى.
-وإلى ذلك، يتحول الفساد إلى عامل طرد من حضن الجماعة المحلية إلى رحاب عالمية يُفترض أنها تؤمن فرض مساواة وشفافية أكبر. وبهذا المعنى فإن ممارسة الفساد الشبكية الموسعة في النطاق المحلي العربي تؤول في البلدان التي لا تتوفر فيها إمكانية تعميم الرشوة النفطية بالأخص، إلى تقليص الفرص المتاحة أمام الشباب للعمل وبناء مستقبل من صنع طموحاتهم وأحلامهم، فيتحولون إلى طالبي لجوء أو هجرة.