الصفحة 31 من 63

أشكال الحماية التي تدرّ منافع استثنائية لحزينة الدول أو لمؤسسات القطاع العام. ومن خصائص الإيرادات الريعية أنها تنتج عن امتلاك الدولة لمورد أو ثروة استثنائية بحكم السيادة وأنها تؤول لخزينة الدولة تلقائيًا وبدون الاعتماد على رضا أو تعاون أي طرف آخر في المجتمع، كما هو الحال مثلًا في الإيرادات الضريبية. وقد خضعت هذه الخصوصية للبحث والمناقشة كما تعرضت بعض الدراسات لعلاقة الدخل الريعي باحتمالات سوء الإدارة وتدني الأداء في المجال الاقتصادي. غير أن هذه الدراسات لم تتفحص بعمق علاقة هذا الوضع باحتمالات انتشار الفساد في الميدان الاقتصادي ولم تتبع أسلوبًا علميًا بالقدر الكافي.

ومن طبيعة الدخل الريعي أنه يؤول لخزينة الدولة مباشرة دون أن يمر بقنوات قد تعرّضه للمحاسبة والمساءلة، فمعظمه نتاج لاتفاقيات تعقدها الدولة مع جهات خارجية (النفط واتفاقيات الأمن التي تفرز المساعدات الرسمية الخارجية) بعيدًا عن الشفافية والمراجعة من الكيانات السياسية النيابية. ومع تكاثر النظم العائلية والسلطوية في المنطقة العربية، تصبح ملكية العوائد الريعية والتصرف فيها مصدرًا حاسمًا لتعزيز قوة النظام وتمكينه من تخصيص الموارد الضخمة لحماية نفسه وإدامة حكمه. فليس من الغريب إذن أن يكون مستوى الإنفاق العسكري والأمني مرتفعًا نسبيًا في المنطقة العربية. فلا يزال الإنفاق العسكري حوالي ضعف مثيله في مناطق العالم الأخرى بالرغم من انخفاضه النسبي في السنوات الأخيرة، علمًا بأن المنطقة العربية لا تزال تعتبر من أضعف مناطق العالم قدرة على حماية نفسها من الاختراق الخارجي (في شكل غزو أو احتلال أو هيمنة) . ونستنتج من ذلك بطبيعة الحال أن النظم في المنطقة العربية إنما تنفق هذه الأموال على الجانب الأمني ليس لحماية مواطنيها من الأخطار الخارجية وإنما لحماية أنفسها من مخاطر الاحتجاج والمعارضة من هؤلاء المواطنين.

ولا شك في أن هذا الوضع يولد حالات وأوضاعًا سياسية واجتماعية واقتصادية تتميز بضعف الإطار المؤسسي وغياب الشفافية والمساءلة. ونتيجة لذلك، ينتشر الفساد ويزداد القمع والتضييق على الحريات الشخصية. وهناك عدد من الدراسات التي بيّنت العلاقة الإيجابية بين الإنفاق العسكري والفساد وكذلك العلاقة بين الإيرادات الريعية وسوء الحكم. والسبب في ذلك أن أجهزة الدولة في سعيها لحماية النظام تلجأ إلى أساليب مختلفة من الترهيب والترغيب. ويصبح شغلها الشاغل هو استخراج العوائد الريعية واستخدامها في تقوية شوكة النظام وإضعاف خصومه من خلال التهديد وربما العنف من ناحية أو من خلال الإغراءات التي قد تتخذ أشكالًا متعددة مثل عرض المناصب الحكومية على الأفراد أو إرساء العطاءات على رجال الأعمال المتعاونين أو تقديم الإعفاءات الضريبية أو الدعم المباشر لبعض القطاعات من ناحية أخرى. وإذا حصرنا اهتمامنا في المجال الاقتصادي على سبيل المثال، نجد أن اهتمامات رجال الأعمال والمستثمرين (المحليين والأجانب) تتجه نحو تعظيم استفادتهم من توزيع الريع عن طريق التعامل مع السلطة وكسب رضا الحاكم بدلًا من الاتجاه نحو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت