فالفساد في مجتمعاتنا ليست مشكلة أخلاقية .. إنما أصبح من صلب ثقافة المجتمع. وجزءًا من التركيبة الاجتماعية.
وإن الفساد بهذا المعنى لا يتعلق فقط بالمال العام الذي يتحول إلى مال خاص، لكنه ظاهرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تصب كلها في محاولات احتكار السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية من جانب النخب المسيطِرة ومريديها. كما تعمل آليات الفساد والبنى المجتمعية التي تفرزه على ظهور وانتشار القيم التي تبرر وتساند كل أشكال الفساد ووسائله، وتصبح القيم السائدة من قبيل أن"الغاية تبرر الوسيلة"، و"معاك قرش تساوي قرشًا".
ولذلك يُلاحظ أن فاسدي هذه الأيام لا يشعرون بالخجل أو العار حين يتم كشفهم، خاصة في حالة نجاحهم في تهريب الأموال المنهوبة إلى الخارج، حيث يعتمدون عليها في إعادة الاحترام إليهم مرة أخرى في مجتمع أصبح الناس فيه يُقاسون بما يملكون وليس بما يفعلون. وهنا يصبح الفساد جزءًا من الثقافة السائدة.
إن الفساد بهذا المعنى الشامل يصبح ظاهرة كلية تتشابك مع كل قطاعات المجتمع وعلاقاته بدءًا من الدولة إلى علاقات الأفراد والجماعات، مرورًا بالمؤسسات الرسمية التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأيضًا مؤسسات الثقافة والإعلام والمجتمع المدني وانتهاءً بالأفراد في تعاملاتهم اليومية.
ولا يختلف أحد على أن كافة المجمتعات في الشرق والغرب تحتوي على قدر معينّ من الفساد، إذ لا يوجد على وجه البسيطة ذلك"المجتمع الفاضل"الذي يخلو تمامًا من الفساد والمفسدين. ولكن القضية التي تشغل بال المجتمع العربي هذه الأيام، ليست بالتحديد وجود قدر ما من الفساد في معاملاتنا اليومية، بل حجم الفساد واتساع دائرته وتشابك حلقاته وترابط آلياته بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل، مما يهدد مسيرة التنمية ومستقبل مجتمعنا العربي في الصميم.
ولعل ما أفصحت عنه بعض وقائع قضايا الفساد المالي والإداري خلال السنوات الأخيرة في العديد من الأقطار العربية، يدل على مدى تغلغل قيم الفساد وممارساته في كافة مناحي حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، والإدارية.
فعندما يغدو لكل شيء ثمن يُقاس بالجنيهات والدولارات، وعندما يغدو للقيام بواجب وظيفي ثمن، ولإجراء معاملة مع إدارات الدولة ثمن، ولتصريف أعمال الحكم ثمن، ولتلزيم المشاريع العامة ثمن، وللنفوس في الانتخابات ثمن، وللكلمة في وسائل الإعلام ثمن، وللتشريع عند مفاصل معينة ثمن، ولحكم القضاء في بعض الحالات ثمن، وعندما يغدو لكل شيء ثمن، فإن الفساد قد أضحى في حياتنا العامة من صلب ثقافة المجتمع، وأن يكون المجتمع في تلك الحال قد ابتُلي بما نسميه"ثقافة الفساد".