الصفحة 26 من 63

فيصبح المال معيارًا للنجاح، ومعيارًا للإنجاز، ومعيارًا للوجاهة والسطوة. بل وأضحى المال الوسيلة لإحقاق الحق أو بلوغ مأرب أو الفوز بمنصب، ولم يعد للشعور بالواجب مكان، ولا للمسؤولية العامة اعتبار، ولا للضمير الوظيفي أو المهني دور، ولا للالتزام الوطني وزن.

وثقافة الوسطة هي من صلب ثقافة الفساد. فالمرء في عالمنا العربي الإسلامي! لا يصل في أكثر الحالات بكفاءته أو جدارته أو مزاياه، بل بواسطة أصحاب الحل والرابط، أصحاب السطو والنفوذ اللذين يقبضون على أزِمّة السلطة. وحتى المسؤول عن إدارة معينة، حتى الأستاذ في المدرسة أو الجامعة، حتى الطبيب في المؤسسة الصحية، حتى صاحب الاختصاص في لجنة تقنية، فإنه لا يصل إلى موقعه في غالب الأحيان إلا بواسطة. وكذلك صاحب الحق لا يضمن حقه المشروع إلا بالواسطة. وغالبًا ما تقترن الواسطة بثمن.

وعندما يبلغ الفساد هذا المبلغ من التفاقم تتعطل إلى حد بعيد آليات الرقابة في الدولة، ويخبو وازع المساءلة والمحاسبة. فالناخب لا يحاسب النائب بل يعاود انتخابه بصرف النظر عن أداته أو سمعته، والنائب لا يحجب الثقة عن حكومته، فهو ينتقدها بأقذع العبارات ثم يصوّت لها ولمشاريعها، والحكومة لا تحاسب الإدارة مع علمها بالفساد المستشري في أوصالها وهي أصلًا غير برئية من استشرائه، ويد القضاء لا تطال المسؤولين في الدولة مهما قيل أو عُرف أو شاع عنهم. حتى هيئات الرقابة الإدارية، بما فيها مجلس الخدمة الدينية وهيئة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، كلها شبة معطلة، إما بفعل الفساد الغامر الذي تجاوز في أبعاده قدرتها على الإحاطة أو المعالجة أو الضبط، أو لأن الدم الفساد أخذ يدب في عروق بعضها.

عندما يغدو الفساد من صلب ثقافة المجتمع يصعب علاجه. فالفساد لا يُنتج إلا مزيدًا من الفساد. والفاسد لا يرى في فساده عيبًا .. ومن هنا نقول إن الفساد يشكل طوقًا يحتاج إلى من يكسره بقوة خارقة. وإذا تركت الأنظمة العربية الحاكمة على غاربها، أو على فسادها، فقد لا تتولد القيادة السياسية الكفيلة بكسر الحلقة الجهنمية. ونصبح في دائرة مغلقة من الفساد، ويستمر الفساد إلى ما شاء الله.

الأمية في عالمنا العربي الإسلامي!!:

بلغ عدد المتخرجين في الجامعات العربية، عشرة ملايين خريج عام 1997، وكانت نسبة المتخصصين في العلوم من مجمل هؤلاء لا تتجاوز 29 %، أما نسبة الإنفاق الإجمالي على التعليم في الأقطار العربية فهي لا تتجاوز 1 % من ميزانياتها، وفي عام 1996 كان هناك 60 مليون عربي لا يجدون سبيلًا للمعرفة، و9 ملايين طفل عربي خارج التعليم الابتدائي، و15 مليون شاب عربي خارج التعليم الثانوي، و60 % من النساء العربيات لا يُجدن القراءة والكتابة، و44 % من الرجال لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت