أولًا: الدليل العقلى: أن تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة لا يترتب على فرض وقوعه محال، وكل ما كان كذلك جائزا فيكون تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزا وأن غاية ما يترتب عليه جهل المكلف بما كلف به مدة من الزمان، ولا محظور في ذلك، بل هو جائز، ودليل جوازه وقوعه في النسخ، فإن المكلف لا يعرف المكلف به قبل نسخه هل هو باق إلى الأبد أو أنه سيرفع العمل به بعد مدة من الزمان، ومع ذلك في النسخ جائز.
ثانيًا: اعتماد ما اختاره ابن الحاجب (109) وهو الاستدلال بالوقوع على الجواز .. وذلك في قوله تعالى:) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [[الأنفال: 41] .
والشاهد فيها في موضعين:
الأول: قوله:) أَنَّمَا غَنِمْتُم [فكلمة"أنما"تتكون من"أن"الناسخة، و"ما"الموصولة التى هى بمعنى (الذى) وهى من صيغ العموم، فتقدير الآية: كل ما غنمتم من شىء فحكمه وجوب تخميسه.
وظاهر الآية مقتضاه: أنه لا يجوز للغانمين أن يستأثروا بشىء من الغنائم كاملا، بل لابد أن يقتطع خمسة، فيوضع حيث أمرهم الله، ولهم أربعة أخماس ما غنموا فقسمه بينهم بالقسمة النبوية المعلومة، لكن هذا العموم ليس باقيا على ظاهره لقوله r:"من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه".
وهو يدل على أن بعض الغنيمة - وهو السلب - لا يخمس ولما كان هذا البيان متراخيا عن الخطاب بالمجمل؛ إذ كان في غزوة حنين سنة ثمان من الهجرة، فقد صح الاستدلال به على الوقوع.