الصفحة 236 من 341

ولما وزر فخر الملك حضر أبا حامد والتمس منه أن لا يبقي أنفاسه عقيمة وألح على الشيخ إلى أن لان إلى القدوم إلى نيسابور فدرس بنظاميتها فذكر هذا وأضعافه عبدالغافر في السياق إلى أن قال ولقد زرته مرارا وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته عليه من الزعارة والنظر إلى الناس بعين الاستخفاف كبرا وخيلاء واعتزازا بما رزق من البسطة والنطق والذهن وطلب العلو أنه صار على الضد وتصفى عن تلك الكدورات وكنت أظنه متلفعا بجلباب التكلف متنمسا بما صار إليه فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون وأن الرجل أفاق بعد الجنون وحكى لنا في ليال كيفية أحواله من ابتداء ما أظهر له طريق التأله وغلبة الحال عليه بعد تبحره في العلوم واستطالته على الكل بكلامه والاستعداد الذي خصه الله به في تحصيل أنواع العلوم وتمكنه من البحث والنظر حتى تبرم بالاشتغال بالعلوم العرية عن المعاملة وتفكر في العاقبة وما يبقى في الآخرة فابتدأ بصحبة الشيخ أبي علي الفارمذي فأخذ منه استفتاح الطريقة وامتثل ما كان يأمره به من العبادات والنوافل والأذكار والاجتهاد طلبا للنجاة إلى أن جاز تلك العقاب وتكلف تلك المشاق وما حصل على ما كان يرومه. ثم حكى أنه راجع العلوم وخاض في الفنون الدقيقة والتقى بأربابها حتى تفتحت له أبوابها وبقي مدة في الوقائع وتكافؤ الأدلة وفتح عليه باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء وحمله على الإعراض عما سواه حتى سهل ذلك عليه إلى أن ارتاض وظهرت له الحقائق وصار ما كنا نظن به ناموسا وتخلقا طبعا وتحققا وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له. ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته والرجوع إلى ما دعي إليه فقال معتذرا ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ومنفعة الطالبين وقد خف علي أن أبوح بالحق وأنطق به وأدعو إليه وكان صادقا في ذلك فلما خف أمر الوزير وعلم أن وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشة وخيال طلب جاه ترك ذلك قبل أن يترك وعاد إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت