ولما أتممت نقل هذه المحاضرة، رأيت أنه من الجيد أن نذكر مثالًا تطبيقياعلى أحدالعلماء القدامى وهو أبو حامد الغزالي رحمه الله و كتابه إحياء علوم الدين، ثم أتبعه بمثال تطبيقي آخر على بعض الدعاة المعاصرين، الذين اختلف الناس فيهم بين مادح بل وربما مدع للعصمة بلسان الحال، وبين قادح لا ينصفه، بل يزدريه ويبدعه ويضلله، ويلصق به كل تهمة، بل وربما كفره. ألا وهو الأستاذ الجليل سيد قطب - رحمه الله تعالى - الذي نحسبه شهيدًا إن شاء الله تعالى ولا نزكي على الله أحد.
أولًا الكلام على الغزالي - رحمه الله - وإحياء علوم الدين:
سُئِلَ شيخ الإسلام - رحمه الله - عن [ إحياء علوم الدين ] و [ قوت القلوب ] . . . إلخ .
فأجاب:
أما كتاب (قوت القلوب ) و ( كتاب الإحياء) تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب: مثل الصبر والشكر، والحب والتوكل، والتوحيد ونحو ذلك . وأبو طالب أعلم بالحديث والأثر، وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم، من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسد وأجود تحقيقًا، وأبعد عن البدعة مع أن في ( قوت القلوب) أحاديث ضعيفة وموضوعة، وأشياء كثيرة مردودة .
وأما ما في (الإحياء) من الكلام في ( المهلكات) مثل الكلام على الكبر، والعجب والرياء، والحسد ونحو ذلك، فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في الرعاية، ومنه ماهو مقبول ومنه ماهو مردود، ومنه ما هو متنازع فيه .
و ( الإحياء) فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوًا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين .
وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه . وقالوا: مرضه ( الشفاء) يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة .
وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة .
وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم.