والمحاور أجدر الناس بالبعد عن الكبر بشتى صوره، فإن الطرف الآخر إذا رأى منه إزدراءً له واحتقارًا بالقول أو الفعل، فإن ذلك يُنّفره منه، ويؤدي إلى كراهته وكراهة ما عنده من الحق، لأن الناس جُبلوا على محبة المتواضعين وكراهة المتكبرين [1] .
ومما قاله البغدادي: فيبنغي أن لا يكون مُعجبًا بكلامه مفتونًا بجداله، فإن الإعجاب ضد الصواب، برفعه تقع العصبية وهو رأس كل بلية [2] .
وفي مقابل الكِبر، التواضع وهو من أخلاق المؤمنين ومن صوره الرجوع إلى الحق عند ظهوره، ومن صوره أيضًا قوله:"الله أعلم"، لما لا يعلم.
والتواضع لا يتنافى مع العزة التي جعلها الله في المؤمنين.
أكتفي بهذا القدر من آداب الحوار والتحاور أثناء الحوار.
الفرع الثالث
ما بعد الحوار
1.التسليم بالحق إذا ظهر له:
على المحاور إذا اتضح له بالدليل والبيان أن الحق فيما يقول خصمه أن يقبله ويرضى به، وأن لا يبقى على ما هو عليه، وإلا كان ذلك كِبرًا وعنادًا.
2.عدم التأثر بما عند خصمه من الباطل، فيتلجلج، وتهتر ثقته بنفسه، وقد يظهر على بعض سلوكه مما تأثر به من خصمه.
3.أن لا يكون اختلاف المتحاورين حول فكرة معينة سببًا للتنافر والبغضاء، وعليه أن يعلم أن الخلاف لا يُفسد للود قضية.
إن كثيرًا من الخلاف في وجهات النظر حتى بين الزملاء والأصدقاء يذهب بالمودة والمحبة، فاحرص كل الحرص ألا يقع هذا واخطب ود أخيك أو صديقك في كل مناسبة تسنح لك، إن المناظرة والمناقشة والحوار تؤثر على القلوب وتكدر الخواطر فتذكر جيدًا وأنت تتحدث فلا تخرج معلنًا الخصومة على أحد [3] .
المبحث الخامس
أنواع الحوار في القرآن الكريم
(1) يحيى زمزمي: الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة، ص170.
(2) البغدادي: الفقيه والمتفقه، 2/ 57.
(3) الفيفي: الحوار أصوله وآدابه، ص161.