فالحاصل أن هدف المناظر هو الحق والدعوة إليه, وهداية الناس, سواءً في ذلك من يحاوره أو من يسمعه، فكان لا بد في إنجاح ذلك بعد فضل الله مراعاة الجمهور والسامعين، ولا يكن هم المناظر ما معه من الحجج ولا يُراعي حال المحاور وأدلته، ولا يُراعي الجمهور وأحوالهم، والذي يهمه فقط أن يأتي دوره في الكلام، فيلقي ما معه وكأنه ألقاه عن ظهره واستراح منه [1] .
13.ومن الآداب الواجب الاتصاف بها الصبر والحلم، فعلى المناظر أن يضبط نفسه، بحيث لا يكون عرضة لأي استثارة من قبل أحد، فيفسد عليه المحاورة والمناظرة، ويظهره في موقف الضعيف، فهناك بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة، ولا يجادلون إلا بالباطل، تدربوا على سنن المناظرة والجدل، ولا يتقون الله فيما يقولون، ولا يتورعون عن سوق الأفكار المضللة، وقد يعمدون إلى الكذب الرخيص بغية إحراج من يناظرون من العلماء أو المفكرين، أو الدعاة أو أصحاب المبادئ [2] .
وبالتالي على المحاور أن يتأنى ولا يتسرع في الرد، حتى يسمع الكلام بأكمله، فيتعرف على مقصد محاوره مما يقول، وإذا وقع له شيء في أول كلام الخصم فلا يعمل بالحكم به، فربما كان في آخره ما يُبين أن الفرض بخلاف الواقع له، فينبغي أن يتثبت إلى أن ينقضي الكلام [3] .
وهكذا يعطي المتكلم الفرصة الكاملة التي يتمكن فيها من عرض فكرته، فكما له الحق في تمكنه من عرض فكرته، فللطرف الآخر نفس الحق، فهذا من الآدب الواجب التحلي به.
14.الحذر من العجب بالنفس، فهو شر آفات العقل، وما أصاب الكِبر شخصًا إلا وقضى عليه، فإن التعالي والفخر على الآخرين من مذموم الأخلاق، وهي متنافية مع الإيمان والتقوى, وهي مبغوضة عند الله لأنها تنازع الله جلاله وعظمته.
(1) الفيفي: الحوار، أصوله وآدابه، ص150.
(2) الندوة العالمية: في أصول الحوار، ص41.
(3) البغدادي: الفقيه والمتفقه، ص2/ 59.