والمؤمن ليس ممن إذا خاصم فجر، خصوصًا أننا نتحاور من أجل إظهار الحق وإبطال الباطل ودحضه، فلا يجوز التعرض لذات المحاور وأهله وصفته إلا أن يكون لهذا علاقة بالمحاورة، وكثيرًا ما يبغض المرء الحق لبغض من يعرضه.
ومما هو مناسب ضمن هذا الأدب مراعاة الظروف والأحوال، فلا بد أن يكون الظرف مناسبًا للتحاور، لظروف المكان والزمان، فلا يكون الحر شديدًا أو البرد قارسًا، أو المكان ضيقًا أو غير مناسب مُعرض للأخطار.
وأن لا يكون المحاور في ظرف غير ملائم كالجوع أو العطش أو الخوف أو الغضب، قلق واضطراب يؤثر على اعتدال مزاجه الفكري والنفسي.
كذلك عليه أن يراعي ظروف المستمعين، فلا يشق عليهم، ولا يضيق عليهم، ولا يظهر لهم استهزاءً أو استهتارًا، بل يظهر لهم وافر التقدير والاحترام، وأن لا يتكلم فيما لا يفهمونه من علوم وأفكار.
وأن يجدد في خطابه وينوع حتى يُبقى على اهتمام المستمع وجذب اهتمامه، فليس كل ما يُعلم يُقال، وليعلم أن لكل مقام مقال.
"ومما ينبغي له أيضًا مراعاته في أحوال المستمعين أن لا يتكلم بأمور وأشياء لا تحتملها عقول أكثرهم, إذ قد يكون فتنة لبعضهم، فالكلام وإن كان في نفسه حقًا لا ينبغي أن يذاع ويشاع لكل واحد من الناس" [1] .
متمثلًا قول الله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (البقرة / 171) .
(1) الندوة العالمية: في أصول الحوار، ص55.