الصفحة 28 من 76

لهذا كان الخطاب القرآني الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (الحجرات / 6) ، وقوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة / 111) .

وفي هذا الصدد يقول ديماس: إن أسلوب مقارعة الحجة بالحجة, والبرهان بالبرهان, من الأساليب الإقناعية القديمة، جاء استخدامها في القرآن الكريم ضد الكفار والمشركين، وعلى لسان الأنبياء عليهم السلام، وحينما نمعن النظر في الحوار القرآني نجد أنه بعد ثبات الاقتناع المرتكز على الحجج والبراهين لا يجعل ذلك الاقتناع سدًا منيعًا في وجه الخصوم، بل يعطيهم فرصة أخرى لطرح أفكارهم القائمة على حجج وأدلة جديدة [1] .

من أجل هذا كان لزامًا على المحاور: من الاعتماد على الأدلة البرهانية التي تقوم على الحقائق التي تدركها العقول السليمة، وتذعن لها القلوب المستعدة للاعتراف بالحق، وهي القلوب التي لم تطمس بصيرتها الأهواء والشهوات، ونوازع الجحود والإنكار، وعوامل الاستعلاء والاستكبار، فعلى المحاور الناجح أن يبحث عن الأدلة البرهانية والحجج الصحيحة التي هي حقائق في ذاتها، ثم يستدل بها لإقناع من يدعوه إلى دين الله عز وجل، وعليه أن يختار منها ما يلائم مدارك من يدعوه، ومستواه العلمي وحالته النفسية، فإذا احتاج إلى تبسيط الأدلة وتيسيرها، بسّطها له ويسّرها، وتسلسل معه فيها وفق النظام العقلي الذي فطر الله عقول الناس عليه [2] .

ومن ضمن قاعدة إبراز الحقائق؛ عليه أن يعمل جاهدًا على إزالة ما يراه حاجبًا للرؤية الصحيحة لمن يحاوره, وذلك برفق ولين، ثم عليه أن يُبين له فساد ما يعتقد أنه من المسلّمات وذلك من خلال الحجج والبراهين التي يراها صحيحة ومناسبة.

(1) ديماس: فنون الحوار والاقناع، ص152.

(2) ضمرة: الحوار في القرآن الكريم، ص118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت