وللموضوعية صور متعددة ومظاهر دالة عليها، ومن المظاهر الدالة على التزام الموضوعية في الحوار: عدم الخروج عن الموضوع الذي هو محل النزاع أو الخلاف، فإن آفة كثير من الناس أنهم إذا ناقشوا غيرهم في موضوع معين، تعمدوا أن يسلكوا ما يسمى في هذه الأيام بخلط الأوراق، بحيث لا يدري المستمعون في أي أمر هم مختلفون مع غيرهم، وتتوه الحقيقة في خضم هذه الفروع التي لا تكاد تعرف لها أصلا، إن في القرآن الكريم كثيرًا من المحاورات والخلافات التي دارت بين الرسل عليهم السلام وبين أقوامهم، وكان جواب الرسل عن أسئلة مخالفيهم منتزعًا من أقوال هؤلاء المخالفين، دون أي خروج عن موضوع النزاع [1] .
وحوارات نوح، ومحمد صلى الله عليهما وسلّم أبلغ دليل على ذلك.
إن التعصب في صورة من صوره هو عدم قبول الحق حين ظهوره، والمسلم الملتزم بآداب دينه وأخلاقه لا يتعصب لشخص أو حزب أو فئة أو فكرة، صحيح ينتصر لرأيه وفكرته ولكن بالحق المحمود، وليس الانتصار بالعصبية المذمومة، فإذا ما حاورت هذا المسلم تجده لا يتعصب، ولا يتشنج، وتأخذه الحمية الجاهلية، بل هو يدور مع الحق أينما دار.
أما فيما يتعلّق بإبراز الحقائق فقد أوجب الإسلام على الأطراف المشاركة في الحوار توخي الصدق، والتثبت من صحة ما يقال، وهي مسؤولية مشتركة بين المتحدث من جانب والمتلقي من جانب آخر، أما مسؤولية المتحدث فهي أن يتحرى الصدق فيما يقول، وألا يتحدث بما لا يملك دليلًا على صدقه، وأن يستفي معلوماته من مصادر موثوق بها، وأما مسؤولية المتلقي فهي ألا يأخذ كل ما يُقال له مأخذ التسليم، وإنما يقومه في ضوء مجموعة من المعايير منها: شخصية المتحدث، وأخلاقه وسيرته بين الناس، وعلمه، ومدى توافق الأفكار المطروحة مع الحقائق الثابتة، والموثوق بها، ومدى قوة الحجج والبراهين التي تدعم ما يُقال [2] .
(1) المصدر السابق: ص114.
(2) أنظر؛ منى اللبودي: الحوار فنياته، ص33.