قال الشافعي:"ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي: العلم بأحكام الله: فرضه، وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وعامه، وخاصه، وإرشاده."
ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله، فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين، فإذا لم يكن إجماع فبالقياس.
و لايكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم، ولسان العرب.
و لايكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولايعجل بالقول به، دون التثبيت.
و لا يمتنع من الاستماع ممن خالفه لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتًا فيما اعتقد من الصواب.
وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك.
ولايكون بما قال أعنى منه بما خالفه، حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك، إن شاء الله.
فأمّا من تمّ عقله ولم يكن عالمًا بما وصفناه فلا يحل له أن يقول بقياس؛ وذلك أنه لا يعرف ما يقيس عليه، كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم و لاخبرة له بسوقه.
ومن كان عالمًا بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة؛ فليس له أن يقول أيضًا بقياس، لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني.
وكذلك لو كان حافظًا مقصر العقل، أو مقصرًا عن علم لسان العرب؛ لم يكن له أن يقيس من قِبَلِ نقص عقله، عن الآلة التي يجوز بها القياس.
و لانقول يسع هذا - والله اعلم - أن يقول أبدًا إلا اتباعًا لا قياسًا"اهـ [1] ."
وقال الشافعي رحمه الله:"كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصًا بينًا؛ لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه."
(1) الرسالة ص509 - 511. وقارن بـ جامع بيان العلم وفضله (2/ 61) .