الصفحة 186 من 205

القول الثاني: إنه يقوي الحديث الضعيف سواء كان شديد الضعف، أم يسير الضعف، مادام يغلب مع تعدد هذه الطرق، عدم وجود تواطؤ بين رجال هذه الطرق على رواية الحديث، ولم يكن المتن منكرًا، وأن يكون المتن قصة طويلة تتكرر مع ذلك في كل مخرج [1] .

(1) و لا شك أن هذا يشعر بأن للحديث أصلًا، ومن أجل هذا كان السيوطي رحمه الله يعترض على ابن الجوزي رحمه الله في كتابه:"الموضوعات"، في بعض الأحاديث بأن لها طرقًا كثيرة، كما تراه في كتابه:"اللآلي المصنوعة"، ثم إذا نظرت فيها وجدتها في مرتبة الضعيف الذي لا يقبل الانجبار، ومراده بهذا: أن كثرة الطرق مع تعدد المخرج، مع استبعاد حصول التواطؤ، مع تكرار لفظ الحديث أو بنحوه، يشعر بأن للحديث أصلًا يمتنع معه الحكم بالوضع.

نعم يبقى النظر هل هو ضعيف فقط، أو يترقى إلى الحسن لغيره!

وهذه المسألة تحتاج إلى بحث خاص يُفرد لها، من أجل تحريرها. وما ذكرته هنا مجرد عرض للقضية، لتعلقها بما البحث بصدده. ثم رأيت الحافظ السلفي يشير إلى صحة حديث:"من حفظ على أمتي أربعين حديثًا ..."وتعليق الحافظ المنذري عليه بقوله:"لعل السلفي كان يرى أن مطلق الأحاديث الضعيفة إذا انضم بعضها إلى بعض أخذت قوة". فتعقبه الحافظ ابن حجر في الامتاع بالأربعين المتباينة السماع ص90:"لكن تلك القوة لا تخرج هذا الحديث عن مرتبة الضعف. فالضعيف يتفاوت فإذا كثرت طرق حديث رجح على حديث فرد، فيكون الضعف الذي ضعفه ناشيء عن سؤ حفظ رواته إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن، والذي ضعفه ناشيء عن تهمة أو جهالة إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحالٍ، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال"وقال:"وعلى هذا يحمل قول النووي في خطبة الأربعين له: وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وقال (أي النووي) بعد أن ذكر هذا الحديث: اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه"اهـ قلت: فكلامه صريح في أن تعدد طرق الحديث الضعيف تقويه مطلقًا سواء كان الضعف في درجة الاعتبار أم لا. كما أفاد أن التقوية الناشئة من تعدد طرق الحديث الضعيف الذي ليس في مرتبة الاعتبار يرقيه من مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال، إلى درجة الضعيف، الذي يجوز العمل به في بعض الأحوال. كما أن تعدد الطرق للحديث الضعيف الذي في درحة الاعتبار ترقيه إلى درجة الحسن لغيره.

تنبيهان: الأول: جواز العمل بالحديث الضعيف، مشروط بشروط ذكرها الحافظ نفسه في رسالته تبيين العجب، انظر كتاب التخريج ودراسة الأسانيد (ضمن الإضافة) ص383 - 384.

الثاني: قول ابن حجر رحمه الله:"والذي ضعفه ناشيء عن تهمة أو جهالة ..."مراده أن الطريق الذي جاء من طريق راوٍ مجهول، ثم جاء من طريق رواة متهمين أو دونهم لا تترقى بذلك إلى درجة الحسن لغيره، أو أن رواية المجهول التي جاءت عن طريق متهمين لا تعد في مرتبة الاعتبار، وليس مراده أن رواية المجهول لا تقبل الاعتبار مطلقًا فتنبه. ... انظر تحرير المنقول في الراوي المجهول (ضمن الإضافة) ص 129 - 138، ومناهج المحدثين في تقوية الأحاديث الحسنة والضعيفة ص92 - 93، 305 - 367.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت