الصفحة 185 من 205

قال ابن رجب رحمه الله في معرض كلام له على التفرد والتعليل به:"وأمّا أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه"اهـ [1] .

وقال ابن عبدالهادي رحمه الله في كلام له حول زيادات الثقات:"بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها ... وفي موضع يغلب على الظن صحتها ... وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة ... وفي موضع يغلب على الظن خطأها ... وفي موضع يتوقف في الزيادة .."اهـ [2] .

وبعد: فأنت إذا تقرر لديك هذا البيان لمسألة تحسين الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه بتعدد الطرق؛ فاعلم أن الألباني - حفظه الله - لم يخرج عن سنن القوم، بل كان مطبقًا لقواعدهم، مراعيًا لنهجهم، سالكًا فيه سبيلهم.

وأنت إذا لاحظت أن المرجع في هذه القضية إلى البحث وطول الممارسة والدربة في تخريج الحديث؛ فإنك تسلم - إن شاء الله تعالى - للألباني في حكمه بتحسين الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه بتعدد الطرق، إذ أمضى حفظه الله قرابة نصف قرن مشتغلًا بالحديث تخريجًا ودراسة ودعوة وتصنيفًا، مما يجعل كفته ترجح في هذا الجانب على غيره ممن يعترض عليه، ولما يبلي بلاءه في ذلك!

وأزيد إيضاحًا مسألة تقوي الحديث بتعدد الطرق، فأقول:

تعدد طرق الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه لا يخرج عن أن يقال فيه أحد الأقوال التالية:

القول الأول: إنه لا يفيد في قوة الحديث شيئًا، بل كل طريق للحديث يعل الطريق الآخر.

وعلى هذا لا يكون هناك حديث حسن لغيره أصلًا، وهذا كاف في طرح النظر عن تأمل هذا القول!

(1) شرح علل الترمذي لابن رجب (2/ 582) .

(2) نقله في نصب الراية (1/ 336) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت