والألباني مع أهل الحديث يأخذ بالقياس، ويتفهم مقاصد الشرع، وينظر في كل ماله تأثير على ظاهر اللفظ، ويراعيه في فقهه ونظره - و لا أزكي على الله أحدًا - فإن ظهر له، وإلا وقف عند ظاهر اللفظ، وعلى هذا النهج كان الصحابة والتابعون، بل هذا الأمر ومراعاته من الأمور التي ينبغي للمفتي مراعاتها.
قال ابن القيم رحمه الله:"ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه؛ فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعين ليس كذلك."
وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على مناهجهم يتحرون ذلك غاية التحري، حتى خلفت من بعدهم خلوف رغبوا عن النصوص، واشتقوا لهم ألفاظًا غير ألفاظ النصوص، فأوجب ذلك هجر النصوص.
ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي النصوص من الحكم، والدليل وحسن البيان، فتولد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الألفاظ الحادثة وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فألفاظ النصوص عصمة وحجة، بريئة من الخطأ والتناقض، والتعقيد والاضطراب، ولما كانت هي عصمة عهد الصحابة، وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم اصح من علوم من بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك، هلم جرا.
ولمّا استحكم هجران النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع، كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، و لا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلًا قط، فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور، فلما طال العهد وبعد الناس من نور النبوة صار هذا عيبًا عند المتأخرين؛ أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه: قال الله، وقال رسول الله ... الخ كلامه رحمه الله [1] .
(1) إعلام الموقعين (4/ 170) .